
في ديسمبر من عام 1974، وبينما كان الغبار لم يهدأ تماماً عن جبهات القتال بعد نصر أكتوبر 1973، احتضنت الكويت ندوة فكرية تاريخية بعنوان “أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي”. كانت تلك الندوة “برلماناً للعقل العربي”، حيث تداعى إليها كبار المفكرين من أمثال زكي نجيب محمود، وقسطنطين زريق، وفؤاد زكريا، ليناقشوا في لحظة “تفاؤل مشوب بالحذر” آفاق النهضة العربية، متسلحين بالنقد الذاتي والمنهج العلمي، وباحثين عن صيغة توفق بين الأصالة والمعاصرة في ظل توازنات قوى كانت تبدو حينها في صالح المشروع العربي.
اليوم، وبعد مرور نصف قرن على ذلك المحفل المهيب، نجد أنفسنا أمام مشهد مغاير تماماً. لقد تبدلت الجبهات، وتغيرت المحاور، وانتقلت الصراعات من الحدود التقليدية إلى قلب الهوية والنسيج الاجتماعي. إن الأمة العربية اليوم لا تواجه مجرد “أزمة تطور” كما شخّصها مثقفو السبعينيات، بل تواجه “أزمة وجود” تهدد حاضرها ومستقبل أجيالها القادمة.
لقد استحال المشهد العربي إلى ساحة لتناقض الأجندات وتضاد الأيديولوجيات، وازدادت ضراوة الهجمات التي لم تعد تأتي من الخارج فحسب، بل أصبحت تتناوش جسد الأمة من الداخل. ولعل أخطر ما يواجهه العقل العربي اليوم هو صعود “نفر ضال” من أبناء هذه الأمة، تبنوا أيديولوجيات منحرفة تدعي وصاية مطلقة على الموروث الديني، وحوّلوا التنوع الثقافي والتعدد الفكري، الذي هو سر بقاء الحضارات، إلى مبررات للاقتتال والتوحش. هؤلاء الذين لا يقرأون في قاموس التعدد إلا لغة الإقصاء، ولا يمارسون تجاه الآخر إلا الإجرام المغلف برداء القداسة، باتوا يمثلون قوى ظلام تهدف لإشاعة الفوضى ونشر الفتنة واغتيال المستقبل.
إن هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الوطن العربي، في ظل تنافس المتصارعين الدوليين والإقليميين، تفرض علينا استعادة روح “ندوة الكويت 1974” ولكن بأدوات العصر وتحدياته. نحن بحاجة ماسة اليوم إلى “مؤتمر وطني شامل للفكر العربي”، يتداعى إليه المخلصون من النخب المفكرة في شتى الاختصاصات؛ من فلاسفة وعلماء اجتماع واقتصاديين وخبراء أمنيين وتقنيين.
إن الهدف من هذه الدعوة ليس مجرد التوصيف والتشخيص، بل صياغة “مخطط لمشروع حضاري عربي” متكامل، يرتكز على المحاور التالية:
1. تحرير الوعي الديني: من قبضة القراءات الإقصائية، وإعادة الاعتبار لقيم التسامح والتعددية كضرورة وجودية لا كترف فكري.
2. بناء الحصانة الفكرية: صياغة استراتيجية ثقافية تحمي الشباب العربي من الانزلاق في هاوية التطرف وتكفل لهم الأمن المعرفي ضد “قوى الظلام”.
3. إدارة التنوع: تحويل التعدد العرقي والديني والمذهبي في الوطن العربي من “نقاط ضعف” مستغلة للفتنة إلى “نقاط قوة” تدعم الثراء الحضاري.
4. الأمن الاستراتيجي الشامل: وضع رؤية عربية موحدة تتعامل مع صراع الأجندات الدولية بما يضمن استقلال القرار العربي وحماية الموارد.
لقد آن الأوان لننتقل من رد الفعل إلى الفعل، ومن الشتات الفكري إلى التنظيم المعرفي. إن صياغة هذا المشروع الحضاري هي الضمانة الوحيدة للتصدي لكل ما يعيق وجودنا ودورنا بين الأمم، وهي الحصن الذي سيجعل الأمة في مأمن من الداعين إلى الفوضى واللانظام.
إن التاريخ لن يرحم النخب التي صمتت في وقت كان يستوجب الكلام، وإن استعادة العقل العربي لمكانته تبدأ بلقاء وحوار وخريطة طريق واضحة المعالم.
