هل الإنسان كما نعرفه هو “الإنسان العاقل” (Homo sapiens)؟

إذا كان مصطلح Homo sapiens يصف مرحلةً إدراكية (العقل/المعرفة)، فإن الإشكالية التي كشفتها المقاربة الميتابايولوجية لا تتعلّق بنقص في الإدراك، بل بانفصال بنيوي بين البايولوجيا والنفس. وعليه، فإن أي مصطلح بديل لا بد أن:
1. يكون أنطولوجيًا لا وصفيًا فقط
2. يعبّر عن القطيعة لا عن الاستمرارية
3. يفسّر التناقض الداخلي لا مجرد الذكاء
4. يكون قابلًا للتداول الأكاديمي وغير إنشائي
وفيما يلي استعراض نقدي لمصطلحات بديلة محتملة غير مصطلح الانسان العاقل (الهوموسابينس):
1. الإنسان العقلاني ” Homo rationalis” : يخفق هذا المصطلح المقترح، وذلك لأن كثيراً من سلوكيات الإنسان تتصف باللاعقلانية.
2. الانسان الرمزي ” Homo symbolicus” : يخفق هذا المصطلح المقترح ايضاً، وذلك لأنه إذ يشدد على الوسيط (الرمز) ويهمل الجوهر، فإنه لا يعلل لنزعة الإنسان الى الطغيان.
3. الإنسان ما بعد الإنسان العاقل ” Post-Homo sapiens” : يخفق هذا المصطلح المقترح ايضاً، وذلك لأنه يأخذ بنظر الاعتبار الجانب الزمني/التاريخي من الظاهرة ويهمل ما حدث للإنسان بعد التحويلة التطورية ولا يحمل أي دلالة تفسيرية.
وهنا ينبغي التشديد على أن المعيار المفهومي البديل ينبغي ان يعكس ما يلي:
البايولوجيا البشرية تتماثل مع البايولوجيا الحيوانية، من حيث الجوهر التكويني والأساس البنيوي، والى حد التطابق او التماثل. وعلى الرغم من ذلك فإن سلوك الانسان يتميز في كثير من الأحيان بما يجعله عصياً على التفسير وفقاً للقوانين التي تخضع لها الأنظمة البايولوجية. كما أن الإنسان هو الكائن البايولوجي الوحيد الذي يدمّر شرط بقائه ويخرج على النظام الذي نشأ داخله ويعيش انقسامًا دائمًا بين ما هو عليه وما ينبغي أن يكونه. أي أننا لسنا أمام “كيان عاقل أكثر تطورًا”، بل أمام كائن متحوِّل عن الطبيعة.
وفيما يلي مصطلحات مقترحة بديلة عن مصطلح الإنسان العاقل (الهوموسابينس):
1. الإنسان المنحرف عن النظام الطبيعي ” Homo Deviatus” : هذا المصطلح يشير إلى الخروج عن المسار الطبيعي، كما أنه يعبّر عن الانحراف البنيوي لا الأخلاقي أضافة الى أنه مصطلح أنثروبولوجي دقيق، غير أنه قد يُساء فهمه أخلاقيًا إن لم يتم شرح سياقه النظري.
2. الإنسان الهادم للنظام ” Homo Disruptus” : يعبر هذا المصطلح عن قدرة الإنسان على تعطيل الأنظمة، وهو مناسب للقراءة البيئية والسياسية، ولكنه في المقابل يركّز على الأثر، لا على السبب الداخلي (النفس).
3. الإنسان الميتابايولوجي ” Homo Metabiologicus” : يعبّر هذا المصطلح عن تجاوز المستوى البايولوجي دون إنكاره وينسجم عضويًا مع مفهوم التحويلة التطورية ولا يحصر الإنسان في العقل أو الغريزة. وهو يفسّر الازدواج البنيوي والتناقض الداخلي والقطيعة مع الطبيعة. كما أنه مصطلح تفسيري لا وصفي.
4. الإنسان المتشظي / المنكسر بنيويًا ” Homo Fracturus / Homo Fractalis” : يعكس هذا المصطلح الانقسام الداخلي، وعلى الرغم من كونه مصطلحاً فلسفيا جذاباً لكن أقل دقة من الناحية الأنثروبولوجية.
والآن، وبعد هذا الاستعراض لطائفة من المصطلحات المقترحة البديلة، يتبين لنا أن مصطلح الانسان الميتابايولوجي ” Homo Metabiologicus” هو الأكثر دقة في توصيف حال الإنسان بعد التحويلة التطورية، وبالتالي فإنه الأكثر مناسبة ليحل محل الإنسان العاقل (الهوموسابينس).
فالإنسان الميتابايولوجي هو كائن نشأ عن مسار تطوري بايولوجي، ثم خضع لتحويلة بنيوية أحدثت قطيعة بين منظومته البايولوجية ونفسه البشرية، الأمر الذي جعله كائنًا قادرًا على الخروج المنهجي على قوانين الطبيعة، وإنتاج أنماط سلوكية لا يمكن تفسيرها ضمن منطق البقاء أو الانتقاء الطبيعي، وذلك كما تقضي به البايولوجيا التطورية الداروينية بمقارباتها النظرية.
ولنناقش الآن علاقة الإنسان الميتابايولوجي بالإنسان العاقل الهوموسابينس: بينما يمثل الإنسان الهوموسابينس مرحلة ما قبل التحويلة التطورية فإن الإنسان الميتابايولوجي يمثل الإنسان كما نعرفه تاريخيًا وحضاريًا. أي أننا لسنا أمام تطور داخل النوع، بل تحوّل في طبيعة النوع ذاته.
والآن، هل يمكن لمصطلح الإنسان الميتابايولوجي أن يشغل، باتساق وكفاءة، المحل الذي يشغله مصطلح الانسان العاقل (الهوموسابينس)؟ يبين لنا تدبر هذا السؤال على ضوء المباحث التطورية ذات الصلة أن المصطلح المقترح البديل قابل للإدراج في الأنثروبولوجيا الفلسفية ونقد الداروينية الخطية، وأنه يسمح ببناء نظرية نفسية وقراءة أخلاقية ومقاربة قرآنية لاحقة، كما أنه لا يتعارض مع العلم بل يكشف حدوده.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، إن اعتماد مصطلح الانسان الميتابايولوجي” Homo Metabiologicus” لا يدعو الى استبدال علم الإنسان بعلم آخر، بل إعادة ضبط بؤرته:
من سؤال كيف تطوّر الإنسان؟
إلى سؤال أعمق:  متى ولماذا خرج الإنسان على الطبيعة؟

أضف تعليق