
يتوهم كثيرٌ من الناس أنَّ ما من مشكلةٍ تصمد أمام منطقٍ قويم نطقَ به عقلٌ سليم! وهذا ظنٌّ أوقع البشريةَ، منذ نعومةِ أظفارِها وحتى اشتدادِ عودِها، في أخطاءٍ كارثيةٍ أودت بحياةِ الملايين وأدَّت، أكثرَ من مرة، إلى انهيارِ حضاراتٍ وقيامِ امبراطوريات على أنقاضِها. وهذا وهمٌ فاعلٌ في معاملاتِنا اليومية فِعلَه في المساجلات الفلسفية والمجادلات الفقهية. ولقد فات أصحابَ هذا الاعتقاد أنَّ الإنسانَ كائنٌ تتنازعه إراداتٌ متعارضةٌ فيما بينها، متناقضةٌ في أصولِ نشأتِها، متباينةٌ في توجُّهاتِها وغاياتِها. فالإنسان لا تتحكم فيه قوى المنطق والعقلانية، ولا تغلب عليه النزعةُ الموضوعية والأحكامُ المنطقية، وذلك طالما كانت إرادتُه عاجزةً عن أن تتحرَّرَ من كلِّ ما يتصارعُ عليه من إرادات. فحتى لو أسلمَ الإنسانُ قيادَه لما يحسبه النظامَ الذي ينبغي أن تخضعَ له العقول، وتأتمرُ بأمرِه القلوب، وتتوحدُ من حولِه الإرادات، فإنَّ هذا كلَّه لن يغنيَ عنه شيئاً إن هو لم يكن قد تحرَّر قبلها من أسرِ النفس ومن تحكُّم الهوى في حساباتِه وفي المنهجِ الذي يتَّبعه للتوصلِ إلى قراراتِه. فكم اختلف بشَران، حتى وصلَ الأمرُ بهما لأن يقاتلَ أحدُهما الآخر، وهما ينهلان من ذاتِ المشرب ويؤمنان بذاتِ المعتقد؟ فما لم يقهر الإنسانُ نفسَه، ويصبح بمقدورِه أن يطوِّعَ هواه فيُخضعَه لأمرِه، وتكن له إرادةٌ موحدةٌ لا قدرةَ للإراداتِ المتصارعة على كيانِه أن تلويَ ذراعَها، فلن يتمكنَ الإنسانُ من أن يُغلِّبَ المنطقَ السليم على كلِّ منطقٍ سقيم، ولن يكونَ بالتالي مؤهلاً لأن يذعنَ لما يراه العقلُ السليم صواباً، ولا أن يمتثلَ لرأيٍ يخالفُه إن تبيَّنَ له صوابُه واطمأنَّ قلبُه وعقلُه لسلامةِ مبناه وفصاحةِ معناه.
عندها، وعندها فقط، سيصبح بمقدورِنا أن نخالفَ عما أجمعَ عليه أولئك الذين غلبت عليهم شِقوتُهم، جراء عجزِهم عن قهرِ أنفسِهم وإملاءِ إرادتِهم على هواهم، فيتسنى لنا بذلك ألا نحذوَ حذوَهم ونفعلَ فِعلَهم فنكفَّ عن تحكيمِ منطقِنا البشري في النصِّ القرآني، أما وقد تيقنَّا من أنَّ ما ندعوه “منطقاً بشرياً” هو في حقيقتِه منطقٌ أعدنا تشكيلَ أعمدتِه، وقمنا بإعادةِ صياغتِه ليوافقَ ما تأمرُ به أنفسُنا وتُمليه عليه أهواؤنا. وإلا فلن يتأتى لنا على الإطلاق أن نكفَّ عن تحكيمِ “منطقِنا البشري” هذا في النصِّ القرآني، ولن نتمكَّنَ يوماً من أن نتبيَّنَ حقيقةَ هذا النص واستحالةَ أن يكونَ من عند غيرِ الله.
