لماذا يكره الإنسان النصيحة؟

إذا كان الإنسان قد ابتُلي بفرط الإحساس بذاته، فإن إحدى أخطر تجليات هذا الفرط تتجسد في موقفه من النصيحة؛ لا من حيث تقديمها فحسب، بل، وهو الأهم، من حيث استعداده لتلقيها. فالإنسان، على نحو متناقض، كثيرًا ما يكون ناصحًا بطبعه، مُصدِّرًا للحِكَم، مُرشِدًا للآخرين، لكنه في المقابل أشد ما يكون نفورًا من النصح حين يُوجَّه إليه، لا سيما إذا مسّ جوهر منظومته القيمية المتوهَّمة، أو هدد توازنًا داخليًا هشًا بناه على ما تأمره به نفسه ويزيّنه له هواه.
إن رفض النصيحة، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه مجرّد عنادٍ عابر أو اختلاف في الرأي، بل هو موقف وجودي دفاعي تتصدى فيه الذات لكل ما قد يزعزع صورتها عن نفسها. فالنصيحة الصادقة، بخلاف المجاملة أو التواطؤ الأخلاقي، تتضمن دائمًا دعوة إلى التغيير، والتغيير بطبيعته يفرض على النفس كلفةً باهظة: كلفة الاعتراف بالخلل وكلفة مراجعة المسلّمات وكلفة إعادة ترتيب السلوك وردود الأفعال.
ومن هنا، يمكن إسقاط قانون نيوتن الأول، قانون القصور الذاتي، إسقاطًا سايكولوجيًا دقيقًا على السلوك الإنساني: النفس تميل إلى البقاء على حالتها ما لم تؤثر فيها قوة خارجية كافية لإجبارها على التغير.
فالإنسان، ما دام مستقراً داخل نسقه السلوكي و”الأخلاقي” الذي ألفه، يقاوم أي قوة خارجية تحاول إزاحته عن مساره حتى لو كانت هذه القوة هي النصيحة المخلصة. بل إن شدة المقاومة تزداد طرديًا مع عمق التغيير المطلوب؛ فكلما كانت النصيحة أكثر جذرية وأكثر مساسًا ببنية الهوى، ازداد الرفض حدّةً وتحول إلى إنكار أو تسفيه أو حتى عداء صريح للناصح.
وهنا يتكشف البعد الأعمق للمسألة: إن هذا الرفض ليس دفاعًا عن “قيمة” حقيقية، بل هو في جوهره تعظيم مرضي للذات، ترى فيه النفس نفسها مرجعية نهائية، وتتعامل مع منظومتها الأخلاقية الخاصة بوصفها معيارًا مطلقًا لا يحتمل المراجعة ولا يقبل المساءلة. وعند هذه النقطة تصبح النصيحة تهديدًا وجوديًا لا خطابًا إصلاحيًا.
وليس أدلّ على رسوخ هذه النزعة في النفس البشرية من التاريخ النبوي نفسه؛ فمعظم الأنبياء والمصلحين لم يُقابَلوا بالرفض لأنهم كانوا مجهولي النسب أو ضعيفي الحجة، بل لأن خطابهم كان يصطدم مباشرةً مع هوى الجماعة ومع نظامها القيمي الذي استقرّ عبر الزمن وتحول إلى ما يشبه “الطبيعة الثانية”. ولهذا جاء التعبير القرآني بالغ الدقة حين جعل جوهر المشكلة لا في مضمون الرسالة، بل في الموقف الذي اتخذه المتلقون منها: (فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ).
فالآية الكريمة لا تقول: لم تفهموا النصيحة، بل تقول: لا تحبون الناصحين؛ أي أن الكراهية موجهة إلى فعل النصح ذاته، لأنه يوقظ ما تحرص النفس على إبقائه مخدَّرًا. وهنا تتجلى عالمية الظاهرة: فرفض النصيحة ليس حكرًا على قوم دون قوم، ولا على عصر دون عصر، ولا على جنس أو عِرق أو طبقة اجتماعية. إنه سِمة بنيوية في النفس البشرية، علامة تُطبع على الإنسان أينما كان، متى ما تُركت النفس على سجيتها، بلا تهذيب ولا علاج جذري.
ومن ثم، فإن أي مقاربة إصلاحية تتجاهل هذا الجذر النفسي العميق وتكتفي بمعالجة سطحية سلوكية، محكوم عليها بالفشل. ذلك أن العلاج الأمثل لرفض النصيحة لا يكون عبر الإكراه ولا عبر كثرة الوعظ، بل عبر تفكيك مركزية الذات نفسها، وإعادة ترتيب علاقتها بالحقيقة وبالآخر وبالحق.
وهنا تحديدًا تتفرد الوصفة الدينية، لا بوصفها خطابًا أخلاقيًا مجرّدًا، بل بوصفها مشروعًا علاجيًا للنفس من جذورها: مشروعًا يدرّب الإنسان على كسر الاستعلاء، وعلى قبول الحق حتى وإن جاء من غير أهله، وعلى إعادة تعريف الكرامة لا بوصفها عصمة من الخطأ، بل قابلية دائمة للتصحيح. فما لم تُروَّض النفس على هذا النحو، ستظل النصيحة عبئًا لا يُحتمل وسيظل الناصح خصمًا لا صديقًا وسيبقى الإنسان، مهما أوتي من عقل، أسير “عطالته” النفسية، عاجزًا عن مغادرة مداره، تمامًا كما يبقى الجسم الساكنُ ساكنًا ما لم تُجبِره قوة حقيقية على الحركة، وذلك كما يقضي به قانون نيوتن الأول!.

أضف تعليق