
ثمة سمة إنسانية جوهرية تستعصي على التفسير ضمن الأطر التقليدية للبايولوجيا التطورية، مهما بلغت دقتها في توصيف آليات الانتقاء والتكيف. هذه السمة لا تتمثل في الذكاء أو اللغة أو الأدوات فحسب، بل في فرط الإحساس بالذات؛ ذلك الوعي المتضخم بالأنا، الذي لا يكتفي بإدراك الذات، بل يجعلها محوراً للوجود ومرجعاً للقيمة ومركزاً للحكم على العالم والآخرين.
فالإنسان، بخلاف سائر الكائنات البيولوجية لم يعد خاضعاً لنوعه بالمعنى التطوري الصارم، بل دخل في لحظة فارقة من تاريخه، في علاقة متوترة مع هذا النوع، علاقة أصبح فيها الفرد سابقاً على الجماعة، والأنا متقدمة على الكل والذات في حالة انفصال بنيوي عن الروابط التطورية التي ضمنت عبر ملايين السنين خضوع الفرد، في عالم الحيوان، لمصلحة النوع.
تنجح البايولوجيا التطورية في تفسير أنماط السلوك التي تخدم بقاء النوع، وتُبقي الفرد مندمجاً في منظومته البيئية والاجتماعية. غير أنها تقف عاجزة أمام ظواهر إنسانية لا تقدم أي منفعة تطورية واضحة، بل تناقض منطق البقاء ذاته. فما الذي يمكن أن تضيفه الغيرة والحسد والكراهية والحقد إلى مصلحة النوع؟
وما الذي يبرر، من منظور تطوري، سلوكيات تستنزف الطاقة النفسية وتفكك الجماعات وتدفع الأفراد إلى تدمير بعضهم بعضاً وأحياناً إلى تدمير أنفسهم؟ إن الإصرار على تفسير هذه الظواهر بوصفها “منتجات جانبية” للتطور لا يحل الإشكال، بل يؤجله. إذ نحن أمام تحوّل نوعي في البنية النفسية للإنسان، لا مجرد تعديل تكيفي محدود. يفترض هذا الطرح أن تاريخ الإنسان شهد لحظة انعطاف تطورية حاسمة، خرج فيها الفرد عن اندماجه الطبيعي في النوع، وبدأ في إدراك ذاته بوصفها كياناً مستقلاً، لا تابعاً وظيفياً للجماعة.
في عالم الحيوان، لا تقوم علاقة هامشية بين الفرد وذاته؛ فالفرد موجود بقدر ما يخدم النوع والنوع يضمن للفرد بقاءه. أما في عالم الإنسان، فقد انقلبت هذه المعادلة فقد أصبح الفرد مركزاً، والنوع هامشاً.
ومن هنا نشأت الفردانية لا بوصفها خياراً فكرياً أو اجتماعياً، بل بوصفها حالة نفسية–أنطولوجية متأصلة. فردانية جعلت الإنسان لا يبالي بالآخرين إلا بقدر ما يدخلون ضمن دائرته الضيقة: العائلة أو الأقارب أو من “يعنون له شيئاً”. أما من هم خارج هذه الدائرة، فقد أُقصوا أخلاقياً وإنسانياً، مع إضفاء غطاء قيمي–أخلاقي متوهم يبرر هذا الإقصاء.
كان من النتائج المباشرة لهذه الانعطافة أن اجتاح الإنسان طيف من المشاعر السلبية التي لا نظير لها في عالم الحيوان، فالغيرة والحسد والحقد والكراهية، هي مشاعر لا تؤدي وظيفة تكيفية، ولا تخدم مصلحة النوع، بل تعكس تضخماً في الأنا وانشغالاً مرضياً بالذات في علاقتها بالآخر. لقد أصبحت هذه المشاعر مكونات أساسية في خارطة النفس البشرية، وصار الإنسان يتعامل مع محيطه الطبيعي والبشري وفق منطق “مشروع الأنا”، لا وفق مقتضيات النوع أو قوانين التوازن الطبيعي. ومع تفاقم الإحساس بالذات، لم يتوقف الإنسان عند حدود السلوك، بل تمدد هذا الخلل البنيوي إلى مجالات الفكر والرمز والمعنى. فالفلسفة نشأت، في أحد أوجهها بوصفها محاولة بشرية لمحاكاة النظام المعرفي الذي جاء به الدين، ولكن بعد إخضاعه للعقل الإنساني وإعادة صياغته بما يتلاءم مع مركزية الأنا. والسحر نشأ بوصفه محاولة لتقليد المعجزات الدينية، لا استجابة لحاجة تطورية، بل بدافع الغيرة من مصدر القدرة المتعالي والرغبة في امتلاكها أو محاكاتها. وهكذا، لم يكن الدافع إلى الفلسفة أو السحر هو خدمة النوع، بل تعظيم الذات وإثبات التفوق وملء الفراغ الذي خلّفه الانفصال عن الأصل.
وفي السياق ذاته، تحوّل الإنسان إلى كائن “ناصح” بطبعه؛ لا يكف عن وعظ الآخرين وتقويمهم وتقديم الوصايا لهم. لكن هذا النصح، في كثير من تجلياته، ليس تعبيراً عن حرص أخلاقي بقدر ما هو آلية نفسية لتعظيم الأنا وترسيخ الشعور بالتفوق واستعادة وهم المركزية. فكما حاول الإنسان تقليد المنظومة القيمية للدين، حاول أيضاً محاكاة مشروعه الوعظي، ولكن بعد تفريغه من بعده المتعالي وإعادة توظيفه لخدمة الفردانية المتضخمة.
إن فرط الإحساس بالذات ليس مرحلة متقدمة من التطور البيولوجي، بل انكسار في مساره. وهو سمة لا يمكن فهمها إلا من خلال مقاربة ميتابايولوجية تغوص في عمق التاريخ التطوري للإنسان وتتعقب تلك اللحظة الفارقة التي خرج فيها الفرد من خضوعه للنوع وانخرط في صراع مع ذاته ومع الآخرين. ومن دون الاعتراف بهذه القطيعة البنيوية ستبقى البايولوجيا التطورية عاجزة عن تفسير الإنسان لا بوصفه كائناً حياً فحسب، بل بوصفه كائناً مأزوماً بذاته.
