
وأخيراً أبصرَ “معجم الدوحة التاريخي للغةِ العربية” النور، وأصبح بالإمكان تتبع واستقصاء التطور الدلالي لكلِّ لفظةٍ عربية منذ النصوصِ الأولى وحتى زمانِنا الحاضر. إنَّ هذا المنجَز الحضاري يمثل نقلةً نوعية في مسار تطور اللغة العربية المستقبلي، وذلك لما يقدِّمه من إمكاناتٍ واعدة تكفل للباحثين المتخصصين أن يثروا المكتبةَ الإنسانية بآلافِ الأبحاث التي ستُلقي الضوء على جوانب من تراثِنا العربي قبل الإسلامِ وبعده، الأمر الذي سوف يسهم إسهاماً منقطعَ النظير في حملةِ الرد على المشككين في أصالةِ ما أبدعته العقولُ العربية في شتى مجالات المعرفةِ الإنسانية. فرصدُ التطور التاريخي للألفاظِ العربية سوف يقدم للباحثِ المختص كلَّ ما يحتاجه من معرفةٍ تعينه في رحلةِ بحثِه في بطونِ المخطوطات العربية المكتشَفة وتلك التي تنتظرُ أن يُكشَفَ النقابَ عنها. فما تمَّ اكتشافُه من مخطوطاتٍ جرى تحقيقُها، وتمت طباعتُها، بحاجةٍ ماسة إلى مراجعةٍ تدقيقية لم يكن من الممكن، إلا فيما ندر وفي حالاتٍ محدودةٍ معدودة، القيام بها بسببٍ من انتفاءِ وجودِ جهدٍ معرفي موسوعي كهذا الذي أثمرَ عن معجم الدوحة التاريخي للغةِ العربية. فالألفاظُ العربية التي تزخر بها المخطوطات التي أُخرجت من خزائنِ المكتبات تم قراءةُ الكثير منها بغيرِ المفهوم الذي كانت تنطوي عليه في الأزمنة التي شهدت نحتَها وتولُّدَها وإبداعَها. أما الآن، فلقد أصبح بالإمكان القيام بهذه المراجعةِ التدقيقية لتلك المخطوطات لمعرفة إن كان الباحث قد أصاب في استنتاج ما توصل إليه أم أخطأ. أما المخطوطات التي لا تزال تنتظرُ من عشاق لغةِ الضاد مَن يمتلك الهمةَ والعزيمة والإرادة لينكبَّ على ما يتأتى له أن يضعَ يديه عليه منها، وهي بالملايين، فإنَّ معجم الدوحة التاريخي للغة العربية سوف يكفل له إنجازَ الكثير بجهدٍ أقل ووقتٍ أقصر.
إذا كان معجم دوحة التاريخي للغة العربية يمثل إنجازاً تاريخياً غير مسبوق، فإن ذلك لا ينبغي أن يجعلَنا نخلد إلى الراحةِ والدِّعة متوهمين أننا قد كفينا أنفسَنا بهذا المنجَز مشقةَ القيام بأعمالٍ جليلةٍ أخرى! فهذا المعجم التاريخي يدعونا لأن نواصلَ، وبذاتِ الهمةِ والإرادةِ والعزيمة، مسيرتَنا التي هي عنوانُ نهضتِنا، وألا نتوقفَ لالتقاطِ أنفاسِنا، أما وأنه قد وفَّر لنا من الفرَص غير المسبوقة ما يؤمِّل بالتوصل إلى حقائق جديدة لا يعلمُ ماهيتَها، وما ستضطرُّنا إليه من إعادةِ كتابةٍ لكثيرٍ مما كنا نعدُّه من البديهياتِ والمسلمات، إلا الله تعالى.
