
لا تُقدِّم السردية القرآنية قصة آدم بوصفها حكاية أخلاقية عن معصيةٍ وعقوبة، بل بوصفها حدثًا تأسيسيًا في تاريخ الوجود الإنساني. إن ما جرى عند الشجرة ليس مجرد مخالفة لأمرٍ إلهي، بل تحوّل بنيوي في بنية الإنسان؛ تحوّل يفسِّر، في ضوء الميتابايولوجيا، كيف خرج الإنسان من انتظامه الطبيعي ضمن قوانين النوع ودخل في طورٍ جديد من الوجود المأزوم بالذات.
يصف القرآن حال آدم قبل الأكل من الشجرة بوضعٍ يمكن قراءته ميتابايولوجيًا بوصفه حالة توازن وجودي: فلا وعيًا مفرطًا بالذات ولا تمركزًا حول الأنا ولا توترًا مع الجسد ولا قلقًا أخلاقيًا أو وجوديًا. هذه الحالة ليست سذاجة ولا نقصًا معرفيًا، بل اندماجٌ كامل بين الإنسان ووجوده؛ اندماج لا يسمح بقيام مسافةٍ بين الذات ونفسها. هنا يكون الإنسان، إن صح التعبير، “متماشياً مع برنامج النوع”؛ أي منسجمًا مع منطق الوجود وغير منشطرٍ داخليًا، وغير محتاجٍ إلى تبرير ذاته أو الدفاع عنها.
لا يُعرِّف القرآن هذه الشجرة بأنها “شجرة معرفة الخير والشر” وذلك كما تفعل سرديات أخرى. وهذا الصمت الدلالي ليس نقصًا في البيان، بل دلالة مقصودة. فالشجرة لا تُعرِّف نوع معرفةٍ أخلاقية، بل تشير إلى فعلٍ وجودي ترتّب عليه تحوّل في بنية الإدراك. من منظور ميتابايولوجي، ليست الشجرة مصدر معرفة إضافية، بل عامل انكشاف: انكشاف “الذات” على نفسها بوصفها “موضوعًا”.
وهنا يكمن جوهر التحوّل: ليس ما عرفه آدم بعد الشجرة “شيئًا” جديدًا عن العالم،
بل طريقة جديدة لرؤية نفسه داخل العالم.
يقول القرآن: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، فالسوءات هنا لا تُقرأ بوصفها عريًا جسديًا فحسب، بل بوصفها اكتشافًا فجائيًا للذات بوصفها منفصلة. فالعري لا يصبح مشكلة إلا عندما يظهر الآخر، ويظهر معه الوعي بالمقارنة والحكم والتقييم. وفق القراءة الميتابايولوجية: فالسوءة هي أول تمظهر للأنا وأول تشكُّل للمسافة بين الإنسان ووجوده وأول تصدّع في الاندماج الطبيعي بين الكائن ونوعه. إنها لحظة ميلاد الوعي المنعكس: الوعي الذي لا يكتفي بأن يكون، بل ينظر إلى نفسه وهو يكون.
إن الخروج من الجنة لا يُفهم هنا بوصفه عقوبة مكانية، بل تحولٌ وجودي؛ فهو انتقال من نمط وجودٍ تحكمه قوانين التوازن إلى نمط وجودٍ تحكمه الأنا ومخاوفها وتطلعاتها.
في هذا الطور الجديد لم يعد الإنسان ذائبًا في النوع، بل صار الفرد مركزًا وصارت الذات مرجعًا وصار الآخر تهديدًا أو وسيلة.
وهنا تحديدًا تبدأ المعضلة الإنسانية التي تعجز البايولوجيا التطورية عن تفسيرها:
كيف يصبح كائنٌ اجتماعيٌّ بطبيعته مفرطَ الفردانية؟ وكيف تظهر مشاعر لا تخدم النوع، كالغيرة والحسد والكراهية، بوصفها مكونات بنيوية للنفس؟
ولكن، ما هو دور إبليس في هذا التحول المصيري الذي تعين على الإنسان أن يكابد جراء تبعاته؟
في السردية القرآنية، لا يملك إبليس أن يجبر الإنسان على الامتثال لأمره؛ فكل ما بوسعه القيام به يقتصر على الوسوسة، وهي ليست أمرًا واجب التنفيذ يتعين على الإنسان وجوب اطاعته، فكل ما تنطوي عليه من قدرة لا تتجاور تحفيز وإثارة الوعي المنعكس؛ وهذه الإثارة تتجلى في: إثارة الرغبة في التملّك والإيهام بالاحساس بالتفوق وتزيين المقارنة. فإبليس لا يخلق التحول، بل يسرّعه؛ لأنه يدرك هشاشة الإنسان في لحظة تشكّل الأنا. ومن هنا نفهم لماذا كانت السوءات، لا الذنب الأخلاقي، هي أول ما انكشف.
وبذلك، لا تُقرأ القصة بوصفها سقوطًا أخلاقيًا، بل تحويلة أنطولوجية أنتجت إنسانًا واعيًا بذاته حدّ الإفراط ومتوترًا في علاقته بجسده ومأزومًا في علاقته بالآخر ومفصولًا عن قوانين التوازن التي تحكم سائر الكائنات.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن السردية القرآنية تُظهر، حين تُقرأ ميتابايولوجيًا، أن مأزق الإنسان لم يبدأ في التاريخ، بل في البنية. وأن فرط الأنا والفردانية والصراع داخل النوع، ليست انحرافات ثقافية طارئة، بل آثار مباشرة للحظة الشجرة.
وهكذا، لا يقدّم القرآن قصة عن “أول خطيئة”، بل يقدم تشخيصًا مبكرًا لأزمة الإنسان بوصفه كائنًا خرج عن انتظامه الطبيعي. وهي الأزمة ذاتها التي تحاول الميتابايولوجيا اليوم أن تفهمها، لا لتدين الإنسان، بل لتفسيره.
