
تُعدّ قصيدة “النمر” للشاعر الإنكليزي William Blake واحدةً من أكثر النصوص الشعرية كثافةً في استدعاء سؤال التناقض الكوني، لا بوصفه خللًا في الخلق، بل بوصفه جوهرًا من جواهره. فالنمر عند بليك ليس مجرّد حيوان مفترس، بل كائن تتجاور في بنيته الخَلقية الحُسن والرعب، الجمال والقوة، التناسق والتهديد. ومن هذه المفارقة بالذات ينفذ بليك إلى سؤال أكبر:
كيف يمكن للخالق نفسه أن يكون مصدر البراءة كما هو مصدر الرهبة؟
هذا السؤال، وإن صيغ شعرًا، فإنه يكشف مأزقًا معرفيًا عميقًا لازال العقل البشري يعانيه: نزوعه المزمن إلى الرؤية الأحادية، سواء في فهم الطبيعة أو في مقاربة الله.
اعتاد العقل البشري أن يرى في النمر تجسيدًا محضًا للشراسة وقوةً عمياء قادرة على الفتك والتدمير. فهو في المخيال الجمعي رمز للخطر والعدوان والفوضى الكامنة في الطبيعة.
لكن هذه النظرة، على بداهتها، ليست إلا اختزالًا فجًّا لحقيقة أكثر تعقيدًا. فالنمر، كما رآه بليك، ليس مجرد آلة افتراس، بل كائن يتمتع بتناسق مذهل وجمال بنيوي صارخ ودقة تصميم تكاد تبلغ حدّ الكمال. فخطوطه وعيناه وحركته، كلها تشي بيدٍ صانعة لا تقل إبداعًا عمّن أبدع الزهرة أو الطائر. إن الاقتصار على رؤية النمر بوصفه حيواناً شرسًا فحسب، هو عمى انتقائي يعجز عن الإحاطة بالحقيقة كاملة. وهذا العمى ذاته هو ما يمارسه العقل البشري في مقاربته لله. إذ يصرّ الإنسان، بدافع نفسي وأخلاقي مفهوم، على استحضار جانب واحد فقط من التجلي الإلهي:
الرحمة والنعمة والفضل والمغفرة والإحسان. ولكن هذه الأسماء، على جلالها، لا تمثل إلا نصف الحقيقة. فالله تعالى، كما يخبرنا الوحي، هو النافع كما هو الضار، وهو الرحيم كما هو المنتقم، وهو المحيي كما هو المميت، وهو الباسط كما هو القابض. إن الإصرار على اجتزاء هذه الأسماء، أو تهميش بعضها بدعوى تنزيه الله، لا يؤدي إلى التنزيه، بل إلى تشويه معرفي، تمامًا كما نشوّه النمر حين نختزله في بطشه.
إن بليك حين يتساءل بدهشة:
أي مطرقة؟ وأي سندان؟
وبأي يدٍ حكيمة محيطة صيغ هذا الكائن؟
فهو لا يسأل عن آلية خلق النمر فحسب، بل عن اتقان الخلق نفسه.
كيف يمكن للجمال أن يولد من النار؟
وكيف يمكن للتناسق أن ينبثق من العنف؟
هذا السؤال لا يطال النمر وحده، بل يمتد إلى الوجود بأسره. إنه السؤال الذي يهرب منه العقل، لأنه يفرض عليه الاعتراف بأن التناقض ليس طارئًا، بل تكوينياً بنيويًّا.
إن أخطر ما يفعله العقل البشري ليس إنكاره لبعض صفات الله، بل إعادة تشكيل تصوره لله تعالى على أساس النفسي (أي وفقاً لما تأمره به نفسه)؛ إذ يقوم بصياغة “إلهٍ وهمي” لا يؤلم ولا يقبض ولا ينتقم ولا يبتلي. وهذا “الإله المزعوم” مهما بدا مفهوماً ومعقولاً ومنطقياً ليس هو الله، بل صورة ذهنية صنعتها الحاجة الإنسانية لتستشعر أماناً متوهَماً زائفاً.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه كما وأن النمر لا يُعرف حقًا إلا حين نراه بشراسته وجماله معًا، فإن الله تعالى لا يُعرف حقًا إلا حين تُستحضَر أسماؤه الحسنى كلها دفعة واحدة، لا مجتزأة ولا مُنتقاة. إن الإيمان الحق ليس ذاك الذي يهرب من التناقض، بل الذي يتّسع له. وحين يدرك الإنسان ذلك، يتحرر من وهم الرؤية الأحادية، ويشرع للمرة الأولى في رؤية النمر كما ينبغي أن يُرى، وفي معرفة الله كما ينبغي أن يُعرف، كما هما لا كما يريد هو أن يكونا.
