
في عالم يميل فيه العقل البشري إلى “تدجين” الحقيقة ليرتاح لمرآها، تبرز قصيدة “النمر” لوليام بليك كصدمة معرفية تعيد رسم علاقتنا بالمقدس وبالطبيعة. إن المعضلة التي طرحها بليك قبل قرنين من الزمان ليست مجرد تساؤل عن حيوان مفترس، بل هي نقد مبطن لعقلنا القاصر الذي يصر على رؤية “تجلٍ واحد” للوجود، تماماً كما يصر على رؤية تجلٍ واحد للخالق.
اعتاد العقل البشري، في نزعته نحو الطمأنينة، أن يحصر التجلي الإلهي في نطاق “الرحمة” و”النعمة” و”المغفرة”. لقد شيدنا ديناً من التوقعات التي ترفض رؤية “الجلال” خلف “الجمال”، متناسين أن الله الذي هو “الرحيم”، هو ذاته “المنتقم”، وأن مَن “يبسط” الرزق هو مَن “يقبضه”. هذه النظرة المجتزأة تجعل من الإيمان تجربة مريحة، لكنها منقوصة؛ فهي تغفل أن الكمال الإلهي يكمن في “جمع الأضداد” (Coincidentia Oppositorum).
تتجلى عبقرية بليك في أنه لم يرَ في النمر مجرد وحش يثير الفوضى والخراب، كما يراه العقل النمطي، بل رأى فيه “تناسقاً مخيفاً” (Fearful Symmetry).
إن النظرة البشرية للنمر تقتصر عادة على شراسته المفرطة، لكن بليك وقف مشدوهاً أمام تلك “النار” التي تتقد في عينيه، وأمام “الإتقان” الذي صِيغ به جسده. لقد أدرك بليك أن النمر ليس “شراً” يحتاج لتبرير، بل هو تجلٍ لقوة الخالق في أبهى صورها وأكثرها حدة. إن السؤال الذي طرحه بليك: “هل مَن صنع الحمل، صنعك أنت؟” ليس سؤال استنكار، بل هو سؤال دهشة أمام “الكلية” الإلهية التي لا تفرق بين الرقة والقسوة في هندسة الوجود.
حين يتساءل بليك: “في أي فرن كان دماغك؟ وأي مطرقة؟ وأي سندان؟”، فهو يخرج بعملية الخلق من الحيز “الناعم” إلى الحيز “الصناعي الجبار”. إن إدراكنا لله لا يكتمل إلا إذا أدركنا أنه هو “الضار” بقدر ما هو “النافع”، وهو “المميت” بقدر ما هو “المحيي”.
إن العقل الذي يرى في النمر مجرد آلة قتل هو ذاته العقل الذي يرى في الابتلاء شراً محضاً، وفي الموت نهاية، وفي “القبض” ظلماً. بينما الحقيقة التي أبصرها بليك تفرض علينا أن ننظر إلى “الأسماء الحسنى” كطيف واحد متصل؛ فلا يُعرف “النور” إلا بـ “الظلمة”، ولا تُفهم “الرحمة” إلا في سياق “العدل” والبطش الإلهي الذي يكسر المتكبرين.
متى ندرك أن الله لا يُعرَف حقاً إلا بتذكر أسمائه كلها دفعة واحدة؟ إن النمر في قصيدة بليك هو تذكير دائم بأن الحق لا يتجزأ. إن جمال النمر لا ينفصل عن مخالبه، وجلال الخالق لا ينفصل عن رحمته.
إننا مدعوون اليوم لإعادة قراءة “قصيدة النمر” ليس كنص شعري، بل كمنهج للنظر؛ منهج يجرؤ على مواجهة “التماثل المخيف” في الكون، ويقبل بأن الخالق الذي أبدع رقة الزهرة هو ذاته الذي صاغ قوة النمر في تنوّره الكوني. حينها فقط، سنكف عن عبادة “صورة ذهنية” مجتزأة لله، ونبدأ في عبادة “الله” كما هو في كماله وجلاله.
