معجم الدوحة التاريخي… زلزالٌ معرفي يعيد كتابة تاريخ العقل العربي

أخيراً، وبعد عقودٍ من الانتظار، أبصر “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية” النور، ليكون بمثابة الذاكرة الحية التي توثق أنفاس لغة الضاد منذ نقوشها الأولى ونصوصها الجاهلية، وصولاً إلى تدفقاتها المعاصرة. إن هذا المنجز ليس مجرد “قاموس” ضخم، بل هو جسرٌ معرفي يربط الحاضر بالماضي على أسس علمية لم تكن متاحة للعقل العربي من قبل.
عند المقارنة بين معجم الدوحة ونظيره “معجم أكسفورد التاريخي” (OED)، نجد أننا أمام مدرستين يفصل بينهما قرابة قرنين من الزمان. ومع أن أكسفورد كان الرائد في وضع اللبنات الأولى للمنهج التاريخي، إلا أن معجم الدوحة استطاع أن يتفوق في عدة مناحي جوهرية بفضل القفزات العلمية المعاصرة:
1. الرقمنة والذكاء الاصطناعي: بينما اعتمد “موراي” في أكسفورد على بطاقات ورقية يدوية (كما في قصة الطبيب المجنون)، بُني معجم الدوحة على مدونة لغوية محوسبة تضم مليارات الكلمات، مما كفل دقةً في الإحصاء واسترجاعاً فورياً للمعلومات لا يمكن للمجهود البشري اليدوي مضاهاته.
2. سعة المصادر وتنوعها: استفاد معجم الدوحة من انفجار “المخطوطات المرقمنة”، فوصل إلى نصوصٍ كانت حبيسة الخزائن وقت بناء أكسفورد، مما مكنه من رصد “أول ظهور” للكلمة بدقة تاريخية مذهلة.
3. المعالجة الحاسوبية للجذر: العربية لغة اشتقاقية معقدة، وقد نجح معجم الدوحة في تطويع الخوارزميات الحاسوبية لربط المشتقات بجذورها وتتبع تحولاتها الدلالية عبر العصور، وهو ما يتجاوز الترتيب الأبجدي الساكن الذي اعتمده أكسفورد.
إن القيمة الحقيقية لهذا المعجم تكمن في كونه أداة “مراجعة تدقيقية” كبرى. فالملايين من المخطوطات التي حُققت سابقاً، تمت قراءة الكثير من ألفاظها بمعانٍ “مستحدثة” لم تكن هي المرادة وقت تأليفها. اليوم، يمنح معجم الدوحة الباحث القدرة على محاكمة النص في سياقه الزمني الصحيح، مما سيؤدي بالضرورة إلى إعادة كتابة الكثير من الدراسات التراثية وتصحيح مفاهيم كانت تُعد من المسلمات.
كما يمثل هذا المنجز أقوى ردٍّ علمي على المشككين في أصالة الإبداع العربي؛ فهو يثبت بالدليل القاطع، وعبر شواهد نصية متسلسلة، كيف ولّد العقل العربي مصطلحاته الفلسفية والطبية والعلمية، وكيف تطورت هذه الألفاظ لتعبر عن أدق تفاصيل المعرفة الإنسانية قبل قرون من عصر النهضة الأوروبية.
إن اكتمال معجم الدوحة ليس نهاية المطاف، بل هو إعلان البداية. إننا أمام مسؤولية تاريخية تحتم علينا ألا نخلد إلى الدعة، بل أن نستثمر هذه “الذخيرة اللغوية” في فتح مغاليق المخطوطات التي لا تزال تنتظر من يستنطقها.
لقد وضع المعجم بين أيدينا “بوصلة زمنية” تمكننا من إنجاز أبحاث كانت تستغرق سنوات في بضعة أشهر. إنها دعوة لمواصلة المسير بذات الهمة، فالحقائق الجديدة التي سيكشفها لنا الاستقصاء التاريخي للألفاظ قد تضطرنا إلى إعادة صياغة تاريخنا الثقافي والفكري، وهو أمرٌ لا يعلم حدود إثارته ودهشته إلا الله تعالى.

أضف تعليق