معجم الدوحة التاريخي للغة العربية… حين تنطق مخطوطاتنا بلسان العصر

تمثّل ولادة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية حدثًا معرفيًا مفصليًا في تاريخ الدراسات اللغوية العربية، لا لكونه إنجازًا توثيقيًا موسوعيًا فحسب، بل لأنه يعيد تشكيل شروط فهم النص العربي عبر الزمن. فالمعجم التاريخي لا يقدّم مجرد رصدٍ لتطوّر الألفاظ، بل يؤسس لتحوّل إبستمولوجي يمكّن من إعادة قراءة التراث العربي قراءة تاريخية دقيقة، ويكشف عن مواطن الخلل المنهجي في تحقيق النصوص وتأويلها. تطرح هذه المقالة سؤالًا نقديًا حول مدى جاهزية الفكر العربي المعاصر لتحمّل النتائج المعرفية التي سيتمخض عنها هذا المنجز.
فلقد اعتادت المعاجم العربية التقليدية، على اختلاف مناهجها، أن تتعامل مع اللغة بوصفها نظامًا شبه ثابت، تُرصد مفرداته وفق استعمالاتها الشائعة أو المعيارية. أما المعجم التاريخي، فإنه ينقل اللغة من حيّز الوصف الساكن إلى فضاء التاريخ الحي؛ حيث لا تُفهم اللفظة إلا ضمن سياقها الزمني، والبيئة التي شهدت نحتها، وتحولاتها الدلالية المتراكمة.
بهذا المعنى، لا يعمل معجم الدوحة على جمع اللغة، بل على كشف تاريخ الوعي اللغوي العربي نفسه، بوصف اللغة مرآة دقيقة لتحولات الفكر والمعرفة وأنماط العيش.
تعاني الدراسات التراثية منذ قرون من إشكال منهجي خطير، يتمثل في إسقاط الدلالة اللاحقة على النص السابق. فكثير من الألفاظ التي تزخر بها المخطوطات العربية قُرئت وفُسّرت وفق معانٍ استقرت بعد قرون من زمن إنتاج النص، وليس وفق ما كانت تنطوي عليه لحظة تدوينها. ولقد ترتب على هذا الخلل بناء استنتاجات فكرية وعقدية وفق مفاهيم لم تكن متاحة تاريخيًا وتشويه مقاصد المؤلفين الأوائل دون قصد وتضخيم الخلافات الفكرية أو اختلاقها أحيانًا. إن معجم الدوحة التاريخي يقدّم، ولأول مرة، أداة تمكّن الباحث من تفكيك هذا الإسقاط، وإعادة النص إلى بيئته الدلالية الأصلية.
إن القيمة الكبرى لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية لا تكمن في تسهيل التعامل مع المخطوطات التي لم تُكتشف بعد على كثرتها الهائلة فحسب، بل في إعادة مساءلة ما تم تحقيقه بالفعل. فآلاف النصوص التي أُخرجت إلى النور خلال القرنين الماضيين تحتاج اليوم إلى مراجعة تدقيقية عميقة، ليس على مستوى الضبط النصي فحسب، بل على مستوى الفهم الدلالي.
وبهذا المعنى، يتحول معجم الدوحة التاريخي من أداة مساعدة إلى محكٍّ نقدي: هل أصاب المحقق في فهم المصطلح؟ أم قرأه بعين زمنه لا بعين زمن المؤلف؟
يُخطئ من يتصور أن الرد على المشككين في أصالة الإبداع العربي يتحقق عبر الخطاب الدفاعي أو الانفعالي. إن الرد الحقيقي يكمن في إتاحة الأدوات العلمية الصارمة التي تسمح بتتبع تطور المفاهيم والمصطلحات والبنى الفكرية عبر القرون.
فحين تُقرأ اللغة في سياقها التاريخي، يصبح الإبداع العربي قابلًا للتحقق من أصالته وفحصه ومقارنته، وليس مجرد ادعاء ثقافي. وهنا يقدّم معجم الدوحة خدمة حضارية مزدوجة فهو يرسّخ الثقة بالتراث ويحرره في الوقت نفسه من التقديس غير النقدي.
وعلى الرغم من القيمة الاستثنائية لهذا الإنجاز، تحذّر هذه المقالة من الوقوع في وهمٍ جديد: وهم الاكتمال المعرفي. فالمعجم التاريخي، مهما بلغ من الدقة، يظل أداة لا مرجعية نهائية. والخطر لا يكمن في المعجم ذاته، بل في تحويله إلى سلطة تأويلية مغلقة أو استخدامه انتقائيًا لتأكيد أطروحات مسبقة. إن القيمة الحقيقية للمعجم تكمن في كونه دعوة مفتوحة للبحث، لا خاتمة له.
إن معجم الدوحة التاريخي يفتح بابًا معرفيًا غير مسبوق، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديًا جوهريًا: هل نحن مستعدون لإعادة كتابة كثير مما اعتبرناه مسلّمات؟
إن نتائج هذا المعجم قد تضطر البحث اللغوي والفكري والتاريخي العربي إلى مراجعات عميقة، وربما مؤلمة أحيانًا، لكنها ضرورية لكل نهضة معرفية حقيقية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن معجم الدوحة التاريخي للغة العربية لا يمثل نهاية طريق، بل بدايته الفعلية؛ فهو إنجاز حضاري غير مسبوق، ليس لأنه جمع اللغة العربية، بل لأنه أعادها إلى زمنها وحرّرها من القراءة التعسفية وفتح أمام الباحث العربي أفقًا معرفيًا طال انتظاره. وإذا كان هذا المنجز ثمرة همةٍ وإرادةٍ وعزيمة، فإنه في الآن ذاته نداءٌ صريح لمواصلة المسير دون توقف ودون اطمئنان زائف نحو إعادة بناء علاقتنا باللغة والتراث والمعرفة.

أضف تعليق