من ريشة “موراي” إلى خوارزميات “الدوحة”… كيف استردت لغة الضاد تاريخها المسلوب؟

معجم الدوحة التاريخي للغة العربية ليس مجرد “قاموس” ضخم، بل هو جسرٌ معرفي يربط الحاضر بالماضي على أسس علمية لم تكن متاحة للعقل العربي من قبل. فعند المقارنة بين معجم الدوحة ونظيره “معجم أكسفورد التاريخي للغة الإنكليزية (OED)”، نجد أننا أمام مدرستين يفصل بينهما قرابة قرنين من الزمان. ومع أن أكسفورد كان الرائد في وضع اللبنات الأولى للمنهج التاريخي، إلا أن معجم الدوحة استطاع أن يتفوق عليه في عدة مناحٍ جوهرية بفضل القفزات التقنية المعاصرة:
1. الرقمنة والذكاء الاصطناعي: بينما اعتمد “موراي” في أكسفورد على بطاقات ورقية يدوية، بُني معجم الدوحة على مدونة لغوية محوسبة تضم مليارات الكلمات، مما كفل دقةً في الإحصاء واسترجاعاً فورياً للمعلومات.
2. سعة المصادر وتنوعها: استفاد معجم الدوحة من انفجار “المخطوطات المرقمنة”، فوصل إلى نصوصٍ كانت حبيسة الخزائن وقت بناء أكسفورد.
3. المعالجة الحاسوبية للجذر: نجح معجم الدوحة في تطويع الخوارزميات لربط المشتقات بجذورها وتتبع تحولاتها، وهو تحدٍّ بنيوي لا يوجد في اللغة الإنجليزية.
تتجلى أصالة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية في قدرته على رصد “الانزياحات الدلالية”. إليكم كيف يغير المعجم فهمنا للكلمات عبر الزمن:
• كلمة “سيارة”: في القرآن الكريم والنصوص القديمة كانت تعني “القافلة التي تسير”. بفضل المعجم، نتتبع كيف انتقلت في العصر الحديث لتصبح اسماً للآلة المعروفة، وكيف استقر هذا المصطلح بعد صراعات لغوية مع مصطلحات أخرى.
• كلمة “هاتف”: كانت تشير قديماً إلى “الصوت الذي يُسمع ولا يُرى مصدره” (كجنّي أو منادٍ). يوثق المعجم لحظة تحولها لتصبح اسماً لآلة الاتصال (Telephone) وكيف استعار العقل العربي المعنى القديم ليخلعه على اختراع تقني حديث.
• كلمة “قطار”: كانت تعني “مجموعة من الإبل يسير بعضها خلف بعض”. المعجم يرصد كيف طُبقت هذه الصورة الذهنية على وسيلة النقل الحديدية، موضحاً صمود البنية التصورية العربية أمام التغير التقني.
إن القيمة الحقيقية لهذا المعجم تكمن في كونه أداة “مراجعة تدقيقية” كبرى. فالملايين من المخطوطات التي حُققت سابقاً، تمت قراءة الكثير من ألفاظها بمعانٍ “مستحدثة” لم تكن هي المرادة وقت تأليفها. اليوم، يمنح معجم الدوحة الباحث القدرة على محاكمة النص في سياقه الزمني الصحيح، مما سيؤدي بالضرورة إلى إعادة كتابة الكثير من الدراسات التراثية. كما يمثل هذا المنجز أقوى ردٍّ علمي على المشككين في أصالة الإبداع العربي؛ فهو يثبت بالدليل القاطع، وعبر شواهد نصية متسلسلة، كيف ولّد العقل العربي مصطلحاته الفلسفية والطبية والعلمية قبل قرون من عصر النهضة الأوروبية.
إن اكتمال معجم الدوحة ليس مسكاً للختام، بل هو قرعٌ لأجراس البداية. إننا أمام مسؤولية تاريخية تحتم علينا ألا نخلد إلى الراحة، بل أن نستثمر هذه “الذخيرة اللغوية” في فتح مغاليق المخطوطات التي لا تزال تنتظر من يستنطقها.
لذا، فإننا نوجه نداءً صادقاً إلى الجامعات والمراكز البحثية مفاده أن هذا المعجم يضعنا أمام تحدٍّ أخلاقي ومعرفي. فلم يعد مقبولاً بعد اليوم الركون إلى التفسيرات السطحية أو القراءات المتعجلة للنصوص القديمة. إن معجم الدوحة يدعونا لشنّ حملة وطنية وعلمية كبرى لإعادة تحقيق تراثنا بروحٍ جديدة، وبأدواتٍ لم يمتلكها أسلافنا.
إن الحقائق التي سيكشفها الاستقصاء التاريخي للألفاظ قد تضطرنا إلى إعادة صياغة تاريخنا الثقافي والفكري من جديد. فإلى العمل، وإلى مواصلة المسير بذات الهمة، فما هذا المنجز إلا القوة التي ستدفع بشراع نهضتنا نحو آفاقٍ لا يعلم حدودها إلا الله تعالى.

أضف تعليق