في معنى قَولِه تعالى “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ”

نقرأ في سورةِ الأنفال، وفي الآيةِ الكريمة 24 منها، قولَ اللهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). فما هو معنى “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ”؟
يعين على تبيُّنِ هذا المعنى أن نتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى في الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (16 ق).
2- (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) (83- 85 الواقعة).
3- (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (من 186 البقرة).
يشدِّد اللهُ فيما تقدَّم من آياتٍ كريمة على حقيقةٍ مفادها أنه تعالى الأقربُ إلينا من أنفسِنا ومن كلِّ شيء. ولذلك كان اللهُ تعالى أعلمَ بنا من أنفسِنا ومن كلِّ أحدٍ آخر. ولذلك أيضاً فإنَّ اللهَ تعالى أعلمُ بما فيه نفعُنا وما فيه مضرَّتُنا؛ فإن أمرَنا بشيء، أو نهانا عن شيء، فما ذلك إلا لأنه يصبُّ في مصلحتِنا ولا يتسبَّب في الإضرارِ بنا. فالله، القريب منا قرباً لا يدانيه شيء، أعلمُ بنا وبما في أنفسِنا:
1- (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (13- 14 المُلك).
2- (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (من 32 النجم).
فإذا ما عدنا إلى الآيةِ الكريمة 24 الأنفال أعلاه، فإنَّ ما يريدُه اللهُ من الذين آمنوا فيها هو أن يستجيبوا له تعالى ولرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم استجابةً يوجبُها كونُه الأقربَ إلينا والأعلمَ بالتالي بما بوسعِ هذه الاستجابةِ المزدوجة أن تقدِّمَه لنا مما فيه خيرُنا، خاصةً إذا ما علمنا بما نحن عليه بكلِّ ما من شأنِه أن يصلحَ ما كان قد تضرَّرَ من شأنِنا جراءَ ما تعرَّضنا له في ماضينا كنوعٍ تعيَّنَ على أولِنا أن يكابدَ آثارَ أكلِه من الشجرةِ التي نهاه اللهُ عنها. وهذا هو ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ كلِّ موضعٍ قرآني يذكِّرُ اللهُ تعالى فيه عبادَه بشديدِ قربِه منهم؛ هذا القربُ الشديد الذي هو تذكيرٌ بكونِه الأعلمَ بما ينفعهم إذا ما اختاروا أن يطيعوه ويتَّبعوا هَديَه.

أضف تعليق