
ليست أسماءُ الأماكن مجرّد علاماتٍ جغرافيةٍ بريئة، بل كثيرًا ما تختزن في طبقاتها الدلالية آثارَ صراعاتٍ حضارية وانقطاعاتٍ تاريخية وانتقالاتٍ قسرية للمعنى من سياقٍ إلى آخر. واسم كاليفورنيا مثالٌ بالغ الدلالة على هذا التداخل بين اللغة والخيال والتاريخ؛ إذ يُرجِع أغلبُ المؤرخين اللغويين أصلَه إلى جزيرةٍ خيالية ورد ذكرُها في روايةٍ إسبانية شهيرة من مطلع القرن السادس عشر، تحكمها ملكةٌ تُدعى كاليفيا. غير أن هذا التأثيل السردي لا يغلق بابَ السؤال، بل يفتحه على مصراعيه: من أين جاء أسم كاليفيا؟ ولماذا تظهر ظلالُ العربية، ولفظة “الخليفة” تحديدًا، في قلب الخيال الإسباني بعد عامٍ مفصليٍّ (عام 1492)؟
ظهر اسم كاليفورنيا أول مرة في رواية Las Sergas de Esplandián (نحو 1510)؛ حيث وُصفت جزيرةٌ نائية عند أطراف العالم المعروف، تحكمها ملكةٌ محاربة، وتسكنها نساء سوداوات لا يعرفن الرجال، ويملكن الذهب والسلاح والقوة. هذا التصوير لا يقدّم جغرافيا واقعية بقدر ما يصوغ جغرافيا خيالية إمبراطورية، تُسقِط على “العالم الجديد” رغبات السيطرة والقطيعة مع الماضي القريب.
لا يبدو أسم كاليفيا، من منظورٍ لغوي–تاريخي، توليدًا إسبانيًا خالصًا. فالتقاطع الصوتي والدلالي بين Calafia والخليفة يفتح بابًا تأثيليًا معقولًا، خاصة إذا استُحضر السياق الأندلسي الذي كانت فيه العربية حاضرةً بقوة في المخيال واللغة والسياسة.
إن استدعاء صورة “الحاكم الأعلى” (الخليفة) في هيئةٍ أنثوية خيالية لا يُقرأ بوصفه مصادفة؛ بل كتحويرٍ رمزيٍّ لسلطةٍ عربية–إسلامية أُقصيت قسرًا عن المشهد السياسي، لكنها ظلّت حيةً في اللاوعي الثقافي الإسباني. فالاسم هنا يعمل كأثرٍ لغويٍّ لما جرى نفيُه تاريخيًا، وليس لما جرى ابتكاره من عدم.
إن عام 1492 ليس مجرد تاريخ؛ بل عتبة حضارية. فيه سقط الوجود العربي–الإسلامي في الأندلس، وبدأ الصعود الإمبراطوري الإسباني، وتزامن ذلك مع الطرد الجماعي للعرب، ومع انطلاق مشروع التوسع عبر البحار.
في هذا الفراغ الرمزي، كان لا بدّ للخيال أن يعيد تدوير ما أُقصي: أسماء وصور وسلطات، لكن بعد نزعها من سياقها الأصلي وإعادة توظيفها في سردية المنتصر.
هكذا يمكن قراءة كاليفيا بوصفها صورةً مقلوبة للخليفة: سلطةٌ بلا أرضٍ واقعية، تحكم جزيرةً متخيَّلة، في لحظةٍ كان فيها الماضي القريب (الأندلس) قد أُغلق قسرًا. تزداد الدلالة تعقيدًا حين نلحظ التشابه المذهل بين كاليفيا وملكة سبأ كما يصوّرها العهد القديم:
• كلتاهما امرأة حاكمة في عالمٍ تحكمه الرمزية أكثر مما تحكمه الوقائع.
• كلتاهما تقترن بالذهب، والهيبة والغرابة.
• كلتاهما تُربط بإفريقيا والسواد، سواء صراحة أو إيحاء.
فملكة سبأ، كما يراها العهد القديم كانت في أفريقيا، وغالبًا في أثيوبيا، تظهر هنا كـأصلٍ رمزيٍّ سابق، أُعيد إنتاجه في الخيال الإسباني، لكن بعد تفريغه من سياقه الديني–التاريخي وإدخاله في إطار استشراقي مبكر يربط “الآخر” بالغرابة والقوة غير المنضبطة.
إن كون سكان جزيرة كاليفيا نساءً سوداوات ليس تفصيلًا عرضيًا؛ بل إعادة تمثيلٍ لثنائيةٍ قديمة: السلطة الإفريقية الغامضة، في مقابل المركز الأوروبي الصاعد.
من هذه الزاوية، لا يعود اسم كاليفورنيا مجرد إحالةٍ إلى روايةٍ خيالية، بل يصبح أثرًا لغويًا لحضارةٍ أُزيحت عن المركز. فإسبانيا ما بعد 1492 لم تبتدع أسماءها من فراغ؛ بل أعادت توزيع بقايا الذاكرة العربية–الإسلامية على خرائط جديدة، بعد أن جرى تفكيكها سياسيًا وجغرافيًا.
وهكذا، فإن كاليفورنيا، التي رُسمت طويلًا كجزيرةٍ منفصلة عن اليابسة، تغدو استعارةً مزدوجة: انفصالًا جغرافيًا متخيَّلًا وانفصالًا حضاريًا حقيقيًا عن إرثٍ جرى إنكاره، لكنه ظلّ حيًا في اللغة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن تأثيل كاليفورنيا من كاليفيا، وقراءة كاليفيا بوصفها تحويرًا رمزيًا لـ “الخليفة”، لا يهدفان إلى إثباتٍ لغويٍّ قطعي بقدر ما يقدّمان قراءةً حضاريةً عميقة لكيفية انتقال الأسماء عبر الصدمات التاريخية. فاللغة لا تنسى بسهولة، والتاريخ، حتى حين يُكتَب بأقلام المنتصرين، يترك شقوقًا تتسرّب منها ذاكرة المغلوبين، وأحيانًا في هيئة جزيرةٍ خيالية تحكمها ملكة اسمها يحمل صدى حضارةٍ سقطت لكنه لم يصمت.
