
لم يكن عام 1492 مجرد رقم في التقويم، بل كان الحدث الدراماتيكي الأبرز الذي أعاد تشكيل الوعي الغربي. في هذا العام، سقطت غرناطة، آخر معاقل الوجود العربي في الأندلس، وانتهى حكم استمر لثمانية قرون. ومع رحيل العرب واليهود في موجات طرد جماعي قسري، وُلدت “إسبانيا الجديدة” كإمبراطورية صاعدة تبحث عن هويتها عبر المحيطات. في هذا المخاض العسير بين “استرداد” الأرض واكتشاف “العالم الجديد”، وُلد اسم “كاليفورنيا”. فبينما كان المستكشفون الإسبان يخرقون عباب الأطلسي، كانت مخيلتهم محشوة بروايات الفروسية التي عاصرت سقوط الأندلس. ففي رواية “مغامرات إسفلانديان” (1510) لـ “غارثي دي مونتالبو”، نجد الذروة اللغوية لهذا التأثير؛ حيث يُجمِع المحققون اللسانيون على أن اسم “كاليفورنيا” ليس إلا اشتقاقاً إسبانياً لكلمة “خليفة” (Khalifa)..
لقد كان “خليفة” في العقل الجمعي الإسباني يمثل “الآخر” القوي والغامض وصاحب الثروات الطائلة. وبتحويل كلمة “خليفة” إلى “كاليفورنيا”، قام الوجدان الإسباني بنقل مفهوم الدولة العربية التي سقطت في الأندلس إلى “جزيرة أسطورية” بعيدة، وكأنهم يعيدون إنتاج عدوهم المهزوم في قالب خيالي يمكن السيطرة عليه واكتشافه من جديد.
تبرز في الرواية الملكة “كاليفيا”، الحاكمة السوداء لجزيرة كاليفورنيا التي تسكنها النساء فقط. وهنا نلحظ تشابهاً مذهلاً، يتجاوز الصدفة، مع التصور الذي كان سائداً آنذاك والذي شكله “العهد القديم” عن ملكة سبأ (شيبا). فوفقاً للتقاليد الإثيوبية الواردة في كتاب (كبرا ناغاست) والتصورات الأوربية القديمة، كانت ملكة سبأ ملكة إفريقية سوداء، ترمز للحكمة والقوة والثراء الفاحش. لقد استعار مونتالبو هذا “النموذج البدئي” (Archetype) للملكة الإفريقية القوية ليخلق “كاليفيا”. سكان جزيرتها، النسوة السوداوات ذوات الأجساد القوية، هنّ الوريثات الأدبيات لأسطورة “أمازونيات إثيوبيا”. إن هذا الربط يعكس كيف كان الإسبان ينظرون إلى “العالم المجهول”؛ كفضاء يجمع بين الغرابة الإفريقية والشرقية (العربية) في آن واحد.
إن الربط بين سقوط الأندلس وتسمية كاليفورنيا يكشف عن مفارقة تاريخية؛ فالدولة التي طردت العرب ومحت أثرهم المؤسساتي، لم تستطع الانفكاك عن لغتهم وخيالهم. فبينما كان العربي يُطرد من قصور الحمراء، كان اسمه (خليفة) يُنقش بصيغة “كاليفورنيا” على خرائط العالم الجديد.
لقد كانت “كاليفورنيا” في ذهن المستكشفين الإسبان هي “الجنة الضائعة” التي يبحثون عنها لتعويض مفقوداتهم في الشرق، مستخدمين في ذلك أدوات لغوية عربية المنشأ، وتصورات ميثولوجية إفريقية (سبئية) الجذور.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ولاية كاليفورنيا تقف اليوم كقوة اقتصادية وثقافية عظمى، محتفظةً في اسمها بشفرة تاريخية تعود لعام 1492. إنه اسم يلخص الصراع، والاعتراف الضمني بقدرية كلمة “خليفة” والدهشة أمام أسطورة “الملكة السوداء” التي لم تكن في الحقيقة سوى استحضار لملكة سبأ في أقصى غرب الأرض.
