
لم يكن أكلُ آدمَ من الشجرة حدثًا أخلاقيًا عابرًا يمكن اختزاله في توصيفٍ سلوكيٍّ من قبيل “المعصية” فحسب، بل مثَّل، بحسب الدلالة القرآنية الداخلية، لحظة تحوُّل بنيوي في علاقة الإنسان بذاته، وبقلبه على وجه الخصوص. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد القلبُ كما كان، ولم تعد علاقة الإنسان بباطنه علاقةَ شفافيةٍ أو تطابق.
لقد كشف القرآن عن هذا التحوّل بلغة دقيقة حين قال: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (من 121-طه)، فالسوءات هنا لا تقتصر على البعد الجسدي، بل تشير إلى انكشاف داخلي، على وعيٍ جديد بالذات لم يكن قائمًا من قبل. وهذا الوعي المستجد هو الذي دشَّن ما يمكن تسميته: اختلال القلب.
قبل الأكل من الشجرة، كان القلب جزءًا من منظومة توازن فطري، لا يتوسّط فيه الشك بين الإنسان وذاته، ولا يتعارض فيه الإدراك مع الطمأنينة. أما بعد الشجرة، فلقد دخل القلبُ في حالة ازدواجية وظيفية، فهو موضع الإيمان واليقين من جهة، وموضع الهوى والوسوسة والاضطراب من جهة أخرى. وهذا ما يفسر إصرار القرآن لاحقًا على التحذير من القلب، لا بوصفه شرًّا، بل بوصفه غير مأمونٍ بذاته. في هذا السياق، تأتي الآية المفصلية في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (24-الانفال)، والتي لا تفهم هذه الحيلولة على أنها سلبٌ للإرادة، ولا تدخل قهري في القرار الإنساني، بل هي إعلان قرآني صريح عن زيف وهمٍ خطير: وهمِ أن الإنسان يملك قلبه ملكية سيادية كاملة. فالقلب، بعد الشجرة، لم يعد مرجعًا نهائيًا للحقيقة ولا مصدرًا مأمونًا للحكم على الخير والشر ولا أداةً محايدة في اتخاذ القرار. ومن هنا، فإن حيلولة الله بين المرء وقلبه تعني: أن الله يتوسّط بين الإنسان وباطنه لكن لا ليحرمه منه، بل ليمنعه من أن يُسلِّم له تسليمًا أعمى.
يؤكد القرآن، في مواضع متعددة، أن هذا التدخل الإلهي نابع من قربٍ وجودي لا يدانيه قرب:
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (من 16 -ق)
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (85 – الواقعة)
هذا القرب ليس تعبيرًا عاطفيًا، بل توصيفٌ لحقيقة أنطولوجية: أن الله أعلم بالإنسان من قلب الإنسان نفسه. وعليه، فإن الحيلولة ليست عقوبةً على خطيئة قديمة، بل آلية تصحيح مستمرة لخللٍ بنيويٍّ استقرّ في الكيان الإنساني منذ لحظة الشجرة. إنها بمثابة: كبحٍ لانفلات القلب وضبطٍ لادعائه السيادة وتنبيهٍ دائم إلى أن الداخل الإنساني ليس معصومًا من الخطأ.
من هنا، تتخذ الاستجابة لله وللرسول معناها الحقيقي، فهي ليست خضوعًا تعبديًا فحسب ولا امتثالًا قسريًا لأوامر خارجية، بل نجاةً معرفية من قلبٍ لم يعد جديرًا بالثقة المطلقة. فالإنسان بعد الشجرة محتاجٌ إلى مرجعية تتجاوز باطنه، لا لأن باطنه شرّ، بل لأنه مختلّ التوازن.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ليس تحذيرًا وعظيًا، بل تقريرٌ أنثروبولوجي بالغ الدقة مفاده أن القلب الإنساني بعد الشجرة لم يعد صالحًا لأن يكون الحَكَم الأعلى. ومن ثم، فإن الطاعة في القرآن ليست تقييدًا للحرية، بل تحريرٌ للإنسان من استبداد قلبٍ مختلٍّ بذاته.
