الموعظة على الجبل… مقاربة ميتابايولوجية للأخلاق بوصفها حلاً للمشكلة الإنسانية

غالبًا ما تُقرأ الموعظة على الجبل قراءةً أخلاقية وعظية، بوصفها مجموعة من القيم السامية التي يُستحسن بالمؤمن التحلّي بها: الرحمة والعفو والتسامح والإحسان وكبح الغضب ومحبة الخصوم. غير أنّ هذه القراءة، على وجاهتها، تُقصِّر في إدراك العمق الأنطولوجي لهذه الموعظة، إذ تتعامل مع أوامرها بوصفها “فضائل اختيارية”، لا باعتبارها ضرورات علاجية مفروضة على كائنٍ مختلّ التوازن.
وهنا تفتح الميتابايولوجيا أفقًا تفسيرياً مغايرًا، يقرأ هذه الأوامر بوصفها استجابة وجودية قسرية لحالة إنسانية غير مستقرة، نتجت عن انعطافة تطورية استثنائية أخرجت الإنسان من انسجامه الطبيعي، ودفعت به إلى مسار خاص، مشحون بالتناقض والعدوان وسوء الظن والاضطراب الداخلي.
وفق المقاربة الميتابايولوجية، لا يُفهم الإنسان بوصفه كائنًا “شريرًا” بالمعنى الأخلاقي الساذج، بل بوصفه كائنًا مُصابًا بلوثة تكوينية. هذه اللوثة ليست انحرافًا سلوكيًا عابرًا، بل نتيجة قطيعة تطورية جعلت النفس الإنسانية تنفصل عن قوانين التوازن الطبيعي التي تحكم عالم الحيوان.
لقد أصبح الإنسان، بعد تلك الانعطافة مفرط الإحساس بذاته ويُسيّئ الظن بالآخر وميّالًا للعدوان والتبرير وجدليًّا وعجولًا ومتهورًا وحبيس صراعات نفسية متناقضة.
وهذا الوصف يتقاطع بعمق مع التصوير القرآني للنفس الإنسانية كما يقدّمه القرآن الكريم: نفسٌ أمّارة، عجولة، ظلوم، جهولة، مجادلة، قنوطة، يائسة عند الشدّة.
إذا ما أُعيدت قراءة الموعظة على الجبل في ضوء هذا التشخيص الميتابايولوجي، فإن أوامرها تتبدّى لا بوصفها مثاليات حالمة، بل باعتبارها إجراءات علاجية صارمة تستهدف كبح اختلال النفس. فالعفو ليس ترفًا أخلاقيًا، بل آلية لكسر دوّامة الثأر التي يغذّيها تضخّم الأنا ومحبة الخصم ليست سذاجة، بل وسيلة لتجفيف منابع العدوان الداخلي وكظم الغيظ ليس ضعفًا، بل تدريب قسري للنفس على تعطيل اندفاعها المرضي والتسامح ليس تساهلًا، بل إجراء وقائي يحول دون تَكلُّس الضغينة في البنية النفسية. إنها أوامر موجَّهة إلى نفسٍ لن ترضخ طواعية، نفسٍ “جُبلت”، بعد الانعطافة، على مقاومة كل ما يحدّ من غرائزها المتضخّمة.
إن اللافت في الخطاب القرآني لا يقدّم هذه القيم بوصفها “اقتراحات أخلاقية”، بل يفرضها في سياق تزكية النفس وجهادها:
• {وَالكاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعافِينَ عَنِ النَّاس} (من 134 آل عِمران).
• {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} (من 34 فصلت).
• {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء} (من 53 يوسف).
• {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} (9 الشمس).
وهنا يظهر التطابق البنيوي بين الموعظة على الجبل والقرآن؛ فكلاهما يتعامل مع الإنسان بوصفه مريضًا تكوينيًا، لا كائنًا سويًّا يحتاج فقط إلى “توجيه أخلاقي”.
في هذا الإطار، تغدو الأوامر التعبدية التي تنطوي عليها “الموعظة على الجبل” والأوامر القرآنية، أدوات ضبط ميتابايولوجي. فليست الصلاة والصيام والعفو والإحسان وسائل للتقرّب الرمزي فحسب، بل تمارين وجودية تهدف إلى إعادة تشكيل النفس المختلّة، أو على الأقل كبح انفلاتها. فالإنسان، بعد تلك اللوثة لا يُترك لنفسه، لأن النفس إن تُركت أعادت إنتاج العنف والظلم والعدمية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه ومن منظور ميتابايولوجي، لا تُقرأ “الموعظة على الجبل” ولا الخطاب القرآني بوصفهما دعوة إلى “السمو الأخلاقي” فحسب، بل بوصفهما محاولة إنقاذ للكائن البشري من نفسه. إن الرحمة والعفو والتسامح والإحسان ليست قممًا مثالية، بل حدود أمان وجودية، وبدونها ينزلق الإنسان، بحكم تكوينه الجديد، إلى مسار تدميري ذاتي وجماعي. وبذلك، فإن “الموعظة على الجبل” لا تخاطب إنسانًا فاضلًا، بل إنسانًا مأزومًا، وتقدّم له، كما القرآن، وصفة علاج قاسية، ولكنها الوحيدة القادرة على إبقاء هذا الكائن المختل قابلًا للحياة.

أضف تعليق