
تكفلُ لنا الإجابةُ على هذا السؤال أن نفهمَ السببَ من وراءِ تعنُّتِ أقوامِ الأنبياء وصدودِهم عن اتِّباعِ ما أُرسِلوا به. فالإنسانُ إذ يأبى أن يستمعَ لمن يخالفُه الرأيَ، فإنه إنما يفعل ذلك دفاعاً عن “أناه” واستجابةً لما يأمرُه به هواه. فإقرارُ الإنسان بأنَّ هنالك آراءً أخرى مخالفةً لرأيِه هو، من وجهةِ نظرِه، إذعانٌ لإرادةٍ غيرِ إرادتِه. فليست الحقيقةُ هي ما يدافعُ الإنسانُ عنها بامتناعِه عن الاستماعِ لرأيٍ يخالف رأيَه. فالأمرُ يتعلقُ بتصارعِ الإرادات؛ فكلٌّ لا يرضى بأن تذعنَ أرادتُه لإرادةِ غيرِه إن هو تقبَّلَ رأيَه وتبدَّلَه برأيِه. ويُخطئُ كلُّ مَن يظن أنَّ هذا الأمرَ يقتصرُ على طائفةٍ من الناسِ دون أخرى، أو زمانٍ بِعينِه دون آخر، أو قومٍ دون قومٍ آخرين. فهذه الظاهرةُ شائعةٌ في أوساطِ العلماء شيوعَها في أوساطِ البسطاء. ولا يكاد يخلو زمانٌ أو مكان من تجلياتٍ لهذه الظاهرة التي تسبَّبت في اندلاعِ معاركَ وحروب، ونشوبِ صراعاتٍ ونزاعات، وتفرُّقِ المحبين، وتحولِ ما كان يوماً حباً وغراماً إلى بغضٍ وكرهٍ ورغبةٍ في الانتقام.
ولكن، ما هي العلةُ التي تقف من وراءِ هذا السلوك المفرِط في تعظيمِه للذات، ولو على حسابِ ما ينبغي أن يؤخذَ بنظرِ الاعتبار من وشائجَ وأواصرَ وروابطَ وعلاقات؟
تضطرُّنا الإجابةُ على هذا التساؤل أن نعودَ في الزمان إلى تلك اللحظةِ التاريخيةِ الفارقة التي انقلب بعدها الإنسانُ فأصبح كائناً ذا نفسٍ متضخمة وإحساسٍ مفرط بـ “أناه”. وتمثل هذه الظاهرة السلوكية تحدياً للبايولوجيا التطورية التي تقوم مقاربتُها للظاهرةِ الإنسانية على افتراضٍ مؤداه أنَّ كلَّ ما في الإنسانِ، أو ما يصدر عنه من أفعالٍ وردودِ أفعال، بالإمكانِ تفسيرُه وفقاً لقوانينِ النشوء والتكيف والارتقاء. أفلا يحقُّ للمرءِ أن يتساءل هنا عن المنفعةِ التطورية من وراءِ هكذا سلوكيات لا ينجم عنها إلا تشرذمُ أفرادِ النوع وتشظِّي قوتِهم وانفراطِ عقدِ تجمُّعِهم؟ فهذه السلوكيات تؤكد أنَّ الإنسانَ قد تعرَّض إلى “شيءٍ ما” في ماضيه التطوري جعله على هذه الشاكلة من الوعي المفرط بالذات، وتغليبِ إرادةِ الفرد على ما يريده النوع، وتغليبِ العاجل على الآجل، طالما كان في ذلك ما يعظِّم إحساسَ الفردِ بنفسِه، وذلك من دون أن يُحسَبَ لمنفعةِ النوع أيُّ حساب.
تقدم هذه السلوكيات مادةً معرفيةً من العيارِ الثقيل تمكِّنُنا من المطالبةِ بضرورةِ إعادةِ كتابةِ البايولوجيا التطورية من منطلقٍ يأخذ بنظرِ الاعتبار الظاهرةَ الإنسانية بكافةِ تفاصيلِها، حتى ولو اضطرَّتنا هذه التفصيلةُ أو تلك إلى البحثِ عن نظامٍ تفسيري جديد يتيحُ لنا أن نفهمَ هذه الظاهرة، لا كما تريده لنا الإيديولوجيا ولكن كما ينبغي أن نمتثلَ له من مقتضياتِ المنهجِ العلمي الصارم وميثاقِ الشرف المعرفي.
