نفرتيتي وهتلر… نِمرُ بلَيك يُطلُّ علينا من جديد

في تاريخ الفن، هناك لحظات يتوقف فيها الزمن أمام صراع الهوية والجمال. لعل أبرز هذه اللحظات هي تلك التي وقف فيها “أدولف هتلر” أمام تمثال الملكة المصرية نفرتيتي. لم يكن مجرد إعجاب عابر من حاكم بقطعة أثرية، بل كان تجلياً لواحد من أعجب التناقضات الإنسانية: كيف يمكن لقلبٍ شُحن بآلة الحرب والدمار أن ينبهر بجمال خطوط وجهٍ نُحت منذ آلاف السنين؟
عندما رفض هتلر إعادة تمثال نفرتيتي إلى مصر في ثلاثينيات القرن الماضي، لم يكن قراره نابعاً فقط من نزعة استعمارية لامتلاك الكنوز، بل من “هوس جمالي” خاص. تقول الروايات التاريخية إن هتلر كان يقضي وقتاً طويلاً يتأمل ملامح الملكة، بل وصل به الأمر لوصفها بأنها “الجمال الذي لن يتخلى عنه أبداً”.
هذا الاندفاع العاطفي تجاه “الجمال الخالص” يضعنا أمام مفارقة صادمة؛ فهذا الرجل الذي كانت أوامره كفيلة بمحو مدن كاملة، كانت عيناه تفيضان بالدموع (بشهادة المقربين منه مثل ألبرت شبير) عند سماع موسيقى فاغنر أو تأمل لوحة فنية بديعة. هذا التناقض الصارخ في شخصية هتلر يتردد صداه بوضوح في قصيدة الشاعر الإنجليزي ويليام بليك “النمر” (The Tyger). يطرح بليك سؤاله الوجودي الشهير:
“أي يد أو عين استطاعت أن تصوغ تماثلك المخيف؟”.في القصيدة، يتساءل بليك من أن الخالق الذي صنع “الحمل” الوديع، هو نفسه الذي صنع “النمر” الفتاك بجسده المتناسق وجماله الأخاذ الذي يخفي وراءه شراسة قاتلة. هكذا كان هتلر؛ كائناً يجمع بين جنبيه “التماثل المخيف” بين الذائقة الفنية المرهفة والأيديولوجيا الشرسة التي لا تعرف الرحمة. لقد رأى في نفرتيتي “الجمال الآري المثالي” الذي يخدم فكره، فحول الفن من رسالة إنسانية إلى أداة لترسيخ الهيمنة.
غير أن الادعاء بأن هتلر قد زعم أن وجه نفرتيتي “آري بلا شك” لم يكن مجرد تزييف للتاريخ، بل كان محاولة بائسة لمصادرة الجمال المطلق وجعله حكراً على “عرقه المختار”. وهنا تكمن المفارقة، وذلك عندما يصبح الجمال مبرراً للقسوة، وعندما تدمع العين لقطعة من الحجر بينما لا يرف لها جفن لمرأى عذابات ضحايا الحروب.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قصة نفرتيتي مع هتلر تبقى درساً في سيكولوجيا الطغيان؛ إذ أنها تثبت أن تذوق الفن لا يعصم الإنسان بالضرورة من السقوط في قبضة التوحش. لقد كانت نفرتيتي تمثل لهتلر “النمر” الذي سحره بجماله، لكنه في الوقت نفسه كان المرآة التي عكست بشاعة نفسه التي لم تستطع أن ترى في الجمال إلا وسيلة لفرض الأيديولوجيا، تماماً كما تساءل بليك: كيف يمكن لهذا التناقض أن يجتمع في ذات واحدة؟

أضف تعليق