حدود المنهج ومجالات المعرفة… قراءة في ضوابط “المعقول واللامعقول” عند الدكتور الخشت

في ورقة بحثية وصفت بالأصالة والعمق، قدم الدكتور محمد الخشت في مؤتمر السوربون الأخير رؤية تحت عنوان “المعقول واللامعقول في الأديان”. ولم تكن هذه الورقة مجرد محاولة للتصالح بين العلم والدين، بل كانت وضعاً لنقاط منهجية صارمة على حروف المعرفة الإنسانية، ترسم حدوداً واضحة لما يقع تحت سلطة “المختبر” وما يتجاوزها بالضرورة. وتتجلى عبقرية البحث في دعوته العلمَ إلى “التواضع المعرفي” عبر الالتزام بمجال تخصصه؛ فانشغال العلم بجبهات جانبية ميتافيزيقية هو استنزاف لجهده المعرفي في قضايا هو، بحكم التعريف والماهية، عاجز عن صياغة رأي “علمي” حيالها. فالعلم محكوم بنظامه النظري-التجريبي، وكل ما يقع خارج هذا السياق يستعصي على أدواته. ومع ذلك، يضع الخشت محددات عقلانية واضحة: فكل ما هو منطقي وقابل للقياس في الخطاب الديني لا ضير في أن يُعمل العلم فيه منهجه وأدواته. فالقرآن الكريم، في دعوته المتكررة للتدبر وإعمال الفكر، يفتح الباب لكل ذي عقل سليم ليسبر أغوار النص والكون. هنا يصبح العلم شريكاً في الفهم، ومحركاً لعملية “التدبر” التي يطلبها الوحي. أما الجانب الآخر من المعادلة، فهو ما أسماه الخشت بـ “اللامعقول” في الخطاب الديني. والمقصود هنا ليس “الخرافة”، بل “المتعالي الميتافيزيقي” والمحتوى الغيبي. في هذا النطاق، يوجه البحث دعوة صريحة للعلم للكف عن هذه المقاربة، ليس تقليلاً من شأن العلم، بل إقراراً بتعذر الرؤية عبر نظام معرفي لا سلطة له خارج السياق المادي.
إن محاولة إقحام المنهج التجريبي في الغيبيات تشبه محاولة قياس المسافات الفلكية بميزان الحرارة؛ فهو خطأ في اختيار الأداة قبل أن يكون خطأ في النتيجة.
إن التزام العلم بهذه الحدود يمنحه قوة أكبر في مجاله، ويحرر الخطاب الديني من الانغلاق أو التفسيرات الأسطورية. إن مقاربة الدكتور الخشت تشدد على أن:
1. العلم ينبغي أن يصرف طاقته فيما هو “قابل للفحص” (Verifiable).
2. الخطاب الديني يجب أن يقدم منطقه “المعقول” للحياة والاجتماع البشري، مع الاحتفاظ بقدسية “اللامعقول الغيبي” كأفق روحي لا يخضع لمقاييس المادة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن بحث “المعقول واللامعقول” هو صرخة منهجية للالتزام الصارم بحدود العقل. فمن خلال هذه الضوابط، نحمي العلم من السقوط في فخ الإيديولوجيا، ونحمي الدين من التمييع أو التحويل إلى مادة مختبرية باردة. إنها دعوة لأن يحترم كل نظام معرفي سيادة الآخر، ليلتقيا في نهاية المطاف في خدمة الحقيقة الإنسانية الكبرى.

أضف تعليق