
بين التدبر الذي جعله اللهُ تعالى المقاربةَ المعرفيةَ الوحيدة التي تُمكِّن قارئَ النصِّ القرآني من تبيُّنِ معناه على الوجهِ الذي أرادَه الله، وبين تحكيمِ المنطق البشري في هذا النص، اختلافٌ كبير من المتعذَّر تجاهلُه. فتدبُّرُ القرآن، بشروطِه التي لا قيامَ له إلا بها، شيء، والمقاربةُ المنطقية لنصِّه الكريم شيءٌ آخر، وذلك طالما كان المنطقُ البشري لا قدرةَ له على التماهي مع المنطقِ الإلهي. فمقاربةُ المنطق البشري لوقائعِ العالَمِ وأحداثِه تفتقر إلى الحكمةِ الكاملة، والإحاطةِ الشاملة، التي لم يُخلَق الإنسانُ بهما ولم يُكفَل له أن يكونَ بمقدورِه أن يحظى بهما مهما جدَّ واجتهد. ولذلك فإنَّ الإنسانَ محكومٌ عليه بأن ينظرَ إلى العالَمِ وفقاً لما قُدِّر له أن يحظى به من منطقٍ يتيح له تسييرَ شؤونِه والتعاملَ مع موجوداتِ العالَم وفقاً للبرنامجِ الذي سبق وأن زُوِّد به يوم خلقَه اللهُ تعالى.
ولقد أدى تحكيمُ الإنسانِ لمنطقِ عقلِه في النَّصِّ القرآني إلى الوقوعِ في جملةٍ من الأخطاءِ الكارثية التي حادت به عن فهم مراد هذا النص، الأمرُ الذي جعله يخلص إلى نتائجَ هي أبعد ما تكون عن تلك التي قُدِّرَ له أن يحيطَ بها لو أنه اكتفى بتدبُّرِ القرآن وفقاً لضوابطِ المنطقِ القرآني؛ هذه الضوابطُ التي ليس لها بالضرورة أن تتطابقَ مع ضوابطِ المنطقِ البشري.
وخير مثال على هذه الأخطاء الكارثية، التي عادَ بها علينا تحكيمُنا للمنطق البشري في النصِّ القرآن، هو زعمُ البعض “أنَّ التحريمَ في القرآن ينبغي أن تُستخلَصَ مفرداتُه من آياتِه التي تطرقت إلى هذا الأمر صراحةً”. ولقد فات أصحابَ مقاربةِ القرآن بمنطقِنا البشري أن يدركوا أنَّ اللهَ تعالى قد اعتمدَ في قرآنِه العظيم صيَغاً متعددة لتبليغِ الناس ما ينبغي عليهم الحرصُ على تجنُّبِه والابتعادِ عنه ومفارقتِه. والتحريمُ هو من هذه الصِّيَغ، كما أنَّ النهيَ عن أفعالٍ بِعينِها هو منها أيضاً، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (9 الممتحنة).
2- (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (56 الأنعام).
3- (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) (90 النحل).
4- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون) (90- 91 المائدة).
يتبيَّن لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ هذا المثال على فداحةِ الأخطاء التي تشتملُ عليها مقاربةُ النَّصِّ القرآني بمنطقِنا البشري، لَيوجب علينا أن نكفَّ عن الإصغاء إلى أولئك الذين يريدوننا أن نعتمدَ منطقَنا البشري مقاربةً وحيدةً للقرآن، حتى وإن جعلَنا امتثالُنا لمرادِهم هذا نقرأُ القرآنَ دون التدبُّرِ الذي أمرَنا اللهُ تعالى به: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص).
