
لطالما راود الإنسانَ وهمُ القدرة على الإحاطة بحقيقة الآخر، وتحديد ما يمكن أن يصدر عنه من أفعال، استنادًا إلى ملامح الوجه أو إشارات الجسد أو أنماط الشخصية المصنَّفة بعناية في جداول علمية، أو حتى عبر أدوات التحليل النفسي والإجرامي التي راكمتها المدارس الحديثة. غير أنّ هذا الوهم، على ما فيه من طمأنينة معرفية زائفة، يصطدم بحقيقة أعمق وأكثر مراوغة: النفس البشرية عصيّة على الاختزال، وتأبى أن تُختصر في نمطٍ أو قالبٍ أو توصيفٍ نهائي.
إنّ النفس، في جوهرها، أشبه بالبحر. قد يبدو سطحه هادئًا وديعًا مطمئنًا، لا توحي مياهه الساكنة بما يختزنه في أعماقه. غير أنّ هذا الهدوء ليس ضمانةً، ولكن قناعاً مؤقتاً. فحين تهبّ العواصف، وحين تُحرّك الرياح ما استقرّ في القاع، ينقلب البحر كائنًا آخر: وحشًا كاسرًا وقادرًا على تمزيق السفن وابتلاع الموانئ، وتحويل مسارات بأكملها إلى حطامٍ متناثر.
وهكذا هي النفس الإنسانية. ما نراه منها، في حالات السلم والروتين والاتزان، ليس إلا سطحًا مصقولًا بالعادة والتكيّف وضوابط المجتمع. أما ما تحت السطح فيبقى مجهولًا وغير مرئي ولا يُفصح عن نفسه إلا حين تُستفَزّ النفس أو تُدفع إلى أقصى حدودها: خوفًا أو قهرًا أو غضبًا أو إذلالًا أو حتى حبًّا مفرطًا. ولهذا السبب تحديدًا، ما زال السلوك الإنساني يُفاجئ علماء النفس الجنائي كل يوم. فكم من إنسانٍ عُرف بالوداعة، انقلب في لحظةٍ إلى آلة عنفٍ لا ترحم. وكم من إنسانٍ حُسب عاديًا أو هامشيًا أظهر، وفي ظرفٍ استثنائي، قدرة على الإجرام لم تكن في الحسبان. وفي المقابل، كم من نفسٍ ظُنّ بها الشر، فإذا بها تُخرج من أعماقها من النبل والإيثار والتضحية، ما يُربك أشدّ المتشائمين ويقوّض أكثر النظريات تشاؤمًا عن الإنسان.
إنّ النفس البشرية لا تختزن الشر وحده، ولا الخير وحده، بل تختزن القدرة على الاثنين معًا، في تراكبٍ معقّد لا يخضع لقانونٍ بسيط أو معادلة مستقيمة. ولهذا فإنّ المقارنة بين شخصيتين تاريخيتين متناقضتين، كفرعون الطاغية والنبي موسى، ليست مجرد مقارنة أخلاقية، بل شهادة صارخة على اتساع الطيف الإنساني وعلى استحالة التنبؤ بمآلات النفس قبل أن تُوضَع في امتحانها الحقيقي.
من هنا، يمكننا القول ودون مبالغة، إنّ النفس البشرية تنينٌ نائم. ليس تنينًا أحادي الوجه، ولا محدد الملامح. قد يكون تنينًا شرقيًا، كما في المخيال الصيني والياباني: رمزًا للحكمة والقوة الخلّاقة والحماية والخير الكامن. وقد يكون تنينًا غربيًا، كما في الأساطير الأوروبية: تجسيدًا للبطش والدمار والنار التي لا تُبقي ولا تذر. لكنّ وجهه الحقيقي لا يظهر إلا حين يُوقَظ، وإيقاظ التنين لا يكون دومًا بفعلٍ إرادي، فأحيانًا توقظه الظروف وأحيانًا الظلم وأحيانًا الخوف وأحيانًا الإغراء وأحيانًا الإحساس بالقوة أو بالتهديد الوجودي. عندها فقط، تتعرّى النفس من أقنعتها الاجتماعية وتسقط التصنيفات وتتبدّد أوهام الفراسة ويظهر ما لم يكن في الحسبان. لذلك، فإنّ كل محاولة لادّعاء معرفة الإنسان معرفةً تامة، أو التنبؤ بما يمكن أن يصدر عنه يقينًا، ليست سوى تبسيط مخلّ لكيانٍ بالغ التعقيد. وما أحوجنا، بدلًا من ذلك، إلى قدرٍ أعلى من التواضع المعرفي، وإلى الاعتراف بأنّ ما نعرفه عن الإنسان أقلّ بكثير مما نجهله عنه. فالنفس بحرٌ والنفس تنين، فلا البحر يُعرَف من سطحه ولا التنين يُعرَف قبل أن يستيقظ.
