في معنى قَولِ اللهِ تعالى “فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا”

نقرأ في سورةِ الكهف، وفي الآيةِ الكريمة 22 منها، قولَ اللهِ تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا). فما هو معنى “فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يعلِّمُنا القرآن أنَّ لكلِّ شيءٍ باطناً وظاهراً، وأنَّ الإنسانَ قد حُجِبَت عنه بواطنُ الأمور ويُسِّرَت له معرفةُ ظواهرِها، وأنَّ هذه المعرفةَ مشروطةٌ بما تأتَّى للإنسانِ أن يحيطَ به من العِلم بمسعاه، أو بقعودِه عن السعي، أو بما حظيَ به من تيسُّرِ الظروفِ أو تعسُّرِها. فمعرفةُ الإنسان بالأشياء محكومةٌ، جِبلةً وخِلقة، بما قُدِرَ عليه من رزقٍ معرفي يطالُ أدواتِ تعرُّفِه إلى الموجودات: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (من 6-7 الروم).
ولقد شدَّدَ القرآنُ على هذا “التعذُّر المعرفي” في مواضعَ منه كثيرة، منها: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (من 20 لقمان). فكم من نعمةٍ أسبغها اللهُ تعالى على الإنسان وهو في غفلةٍ عنها بسببٍ من استعصائها الوجودي على أدواتِه المعرفية؟ ولذلك كان الاحتجاجُ على اللهِ تعالى بما نعلم من علمٍ بظاهرِ هذه الحياةِ الدنيا يفتقر إلى المنطقيةِ والموضوعيةِ والعقلانية. فكيف نحكم بعقولِنا المحدودة، بحكمِ خِلقتِها البايولوجية، على مَن لم ييسِّر لأحدٍ من خلقِه أن يحيطَ به عِلماً بما هو عليه حقاً وحقيقة؟: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) (من 33 الرعد).
ولذلك أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم محمداً صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بألا يصدرَ عنه قولٌ في عدةِ أصحابِ الكهف إذا ما سأله أهلُ الكتاب عنهم. فكلُّ ما عليه أن يجيبَهم به هو ما ينبغي عليهم أن يدركوه من ألا سبيلَ هنالك للتيقُّنِ من أيِّ إجابةٍ بهذا الشأن أما وأنَّ عدَّةَ أصحابِ الكهف هي مما غُيِّبَ عن الإنسان تبيُّنُه لأنها ليست مما قُدِّرَ له أن يحيطَ به عِلماً بعقلِه العاجزِ عن الإحاطةِ بالغيب: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا).

أضف تعليق