
يبيِّنُ لنا تدبُّرُ الآياتِ الكريمة التي وردت فيها عبارةُ “كُن فيكون” أنَّ الكونَ يسير وفقاً لنظامٍ صارمٍ من قوانين وأسباب حكَّمها اللهُ تعالى فيه يوم خلقَ السمواتِ والأرض. ولقد كشف القرآنُ العظيم النقابَ عن هذه الحقيقةِ الوجودية بذكرِه لواحدةٍ من تجلياتِها التي يتعذر علينا إحصاؤها، وذلك في الآيةِ الكريمة (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (من 36 التوبة). فقولُ اللهِ تعالى هذا يقدم لنا مثالاً على مليارات الظواهر الطبيعية التي خلقَ اللهُ تعالى الأسبابَ التي ما كانت لتحدث لولاها. وهذه الأسباب كلُّها جميعاً قد خلقَها اللهُ تعالى يومَ خلقَ السمواتِ والأرض. فكلُّ ظاهرةٍ من ظواهرِ هذا الكون تخضع لذاتِ الأسبابِ والقوانين التي سبقَ للهِ وأن بثَّها في الوجود يومَ خلقَه.
ولكن ماذا لو أنَّ اللهَ تعالى أرادَ شيئاً آخر غيرَ ما بمقدورِ ما خلقَ من أسباب وقوانين أن تتكفلَ بالتسبُّبِ في وجودِه؟ فإذا كان الإنسانُ، على سبيلِ المثال، لا يولَد إلا نتيجةَ تفاعلٍ بين بشَرَين ذكر وأنثى، وذلك وفقاً لما سبق وأن خلقَه اللهُ تعالى من أسبابٍ وقوانين ذات صلة بهذا الأمر يوم خلقَ السمواتِ والأرض، فإنَّ ولادةَ إنسانٍ بلا أب، ومن مادةِ الأم فحسب، تُعتبر حدثاً لا قدرةَ لهذه الأسبابِ والقوانين على التسببِ فيه. ولذلك فإنَّ اللهَ تعالى إذا ما أراد لهذا الحدث، المخالِف لما سبق وأن حكَّمه في الوجود من القوانين والأسباب ذات الصلة، فإنَّه يكفي أن يقولَ له “كن” فيكون. وهكذا هو حالُ كلِّ حدثٍ تعجز هذه القوانينُ والأسباب عن التسبب في حدوثِه. وتكفينا مراجعةٌ لآياتِ “كن فيكون” في القرآنِ العظيم لنتبيَّن ذلك:
1- (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (116- 117 البقرة).
2- (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (47 آل عمران).
3- (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (59 آل عمران).
4- (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (35 مريم).
5- (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (69 الأنبياء).
6- (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ) (من 73 الأنعام).
