
لا تُقاس حيوية الأمم بمقدار ما تُنتجه من أفكار فحسب، بل بمقدار قدرتها على رعاية تلك الأفكار واستكمالها بعد رحيل مبدعيها. ومن المؤسف حقاً أن نرى مشاريع كبرى، زلزلت العقول بجدتها وأصالتها، توضع في “كفن النسيان” بمجرد أن يغيب أصحابها عن المشهد. ولعل أبرز ضحايا هذا التناسي هو المشروع المعرفي للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، وتحديداً في درة أعمالها: “التفسير البياني للقرآن الكريم”.
لقد قدمت بنت الشاطئ في تفسيرها أكثر من مجرد “قراءة”؛ فلقد صاغت دستوراً منهجياً صارماً للتعامل مع النص القرآني؛ اعتمدت فيه على استنطاق اللفظة القرآنية في كافة سياقاتها ونبذ القول بالترادف وإخضاع الفهم للوحدة الموضوعية والبيانية. فالدكتورة عائشة لم تترك خلفها مجرد انطباعات أدبية، بل تركت “خارطة طريق” بحثية واضحة المعالم موضوعية الخطوات، مما يجعل التذرع بصعوبة مواصلة الطريق ذريعة واهية لا تصمد أمام البحث الجاد.
إن ما يمنع إكمال هذا المشروع ليس قصوراً في المنهج، بل هي آفة “الأنا المعرفية”. فكثيراً ما يغلب على المشتغلين بالفكر البحث عن “مشروع خاص” يخلد أسماءهم، عوضاً عن التواضع العلمي الذي يقتضي الوقوف على أكتاف العمالقة لإكمال ما بدأوه. إن مشروع التفسير البياني امتلك من الحيوية والفاعلية ما يجعله قابلاً للتطبيق على كامل المصحف الشريف، فبأي حق نرضى له أن يتوقف عند أجزاء يسيرة بينما وضع صاحبه القواعد الكلية التي تسمح لنا بالاستمرار؟ من هنا، فإننا نرفع النداء إلى المؤسسات الأكاديمية، وإلى المشتغلين بالدراسات القرآنية واللغوية مفاده أن مشروع بنت الشاطئ أمانة علمية في أعناقنا. إن إحياء هذا المشروع لا يعني تكرار ما قالته، بل يعني:
- استكمال التطبيق: سحب المنهج البياني على السور والآيات التي لم يتناولها قلم الدكتورة.
- حوسبة المنهج: الاستفادة من التقنيات الحديثة في “الاستقراء اللفظي” لتطوير الأدوات التي كانت تستخدمها يدوياً.
- التعليم والتدريب: إدراج منهجها كمسار بحثي مستقل لطلبة الدراسات العليا، لضمان تخريج جيل يتقن أدوات “بنت الشاطئ”.
إن تقديرنا لعائشة عبد الرحمن وهي بين ظهرانينا كان واجباً، أما تقدير مشروعها بعد رحيلها فهو ضرورة حضارية. إننا ندعو لإحياء كل مشروع معرفي نال حظه من الاحتفاء عندما كان صاحبه على قيد الحياة، وناله النسيان ما ان رحل صاحبه عن دنيانا. لنتوقف عن اعتبار البحث العلمي مجرد “وجاهة شخصية”، ولنجعله بناءً تراكمياً يسد الثغرات ويبني صرح النهضة. لقد قامت بنت الشاطئ بدورها، وصاغت المنهج ببراعة وإحكام، فهل من مستجيب يكمل ما انقطع من الخيط؟
