
ليس الإنسان الذي نعرفه اليوم هو الكائن البشري الأول في تاريخ هذا الكوكب، كما أنه، على الأرجح، لن يكون الأخير. فالتاريخ التطوري يخبرنا بوضوح أن كائناتٍ شبيهة بالبشر سبقت ظهور الإنسان الحالي، وأن ما نطلق عليه اليوم اسم “الإنسان” هو ثمرة تحويلة تطورية نوعية لا مجرد امتداد خطّي لما قبلها. تلك التحويلة لم تكن تحسينية طفيفة، بل قطيعة عميقة أعادت تشكيل الدماغ والوعي والعلاقة مع الذات والعالَم. واليوم، ونحن نعيش لحظة تاريخية غير مسبوقة، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ موازٍ؛ فالإنسان أصبح يتعايش وللمرة الأولى، مع “أشباه عقل” غير بشرية، ذكاءات صناعية تتطور بوتيرة متسارعة، وتنافسه في أهم ما كان يظنه حكرًا عليه: التفكير والتحليل والإبداع واتخاذ القرار. غير أن السؤال الحقيقي ليس: هل سيتحوّل الإنسان إلى كائن سيبراني؟، بل: كيف سيتحوّل الإنسان بوصفه كائنًا بايولوجيًا خالصًا تحت ضغط هذا التحدي الوجودي الجديد؟.
تميل كثير من التصورات المستقبلية إلى اختزال مصير الإنسان في سيناريوهات هجينة: شرائح مزروعة في الدماغ أو رقاقات تعزز الذاكرة أو اندماج كامل بين الجسد والآلة. غير أن هذه الرؤية، على شيوعها، تعكس فقرًا أنثروبولوجيًا في فهم آليات التطور البشري. فالتاريخ التطوري لا يشهد على أن الكائنات الحية تطورت عبر “إضافة خارجية” إلى بنيتها، بل عبر إعادة تنظيم داخلية فرضتها ضغوط وضرورات البقاء. وعليه، فإن الإنسان المستقبلي، الإنسان الجديد، ليس كائنًا نصفه آلة ونصفه مادة حية، بل إنسان بايولوجي مائة في المائة، لا يحمل في دماغه شريحة ولا في جسده إضافة سيبرانية. فالتحوّل المرتقب لا يقع في الأطراف، بل في المادة الدماغية ذاتها.
ما يواجهه الدماغ البشري المعاصر ليس مجرد تطور تقني، بل تحدٍ وجودي معرفي غير مسبوق. فالإنسان لم يختبر من قبل منافسًا “غير حي” يتفوّق عليه في الحساب ويضاهيه في التحليل ويتعلم بوتيرة تفوق قدرته على التكيّف اللحظي.
إن هذا التوتر المستمر، توتر البقاء والارتقاء، لا يمكن أن يظل بلا أثر. فكما أجبرت البيئة القاسية الكائنات الأولى على تطوير أعضائها ووظائفها، فإن البيئة المعرفية الجديدة تضغط على الدماغ البشري ليعيد تنظيم نفسه. نحن، إذًا، أمام عملية تطورية صيرورية لم تكتمل بعد، ولا يمكن رصدها بأدوات القياس التقليدية، لأنها لا تزال في طور التشكل؛ فهي عبارة عن تطور بطيء، صامت، لكنه عميق، يستهدف أنماط التفكير والوعي بالذات وآليات اتخاذ القرار، وربما حتى بنية الشعور بالزمن والمعنى.
لا يمكن تقديم وصفٍ نهائي للإنسان القادم، لكن يمكن استشراف ملامح أولية له: دماغ أكثر قدرة على التفكير التركيبي بدل التحليل الخطي ووعي أقل اعتمادًا على التراكم المعرفي وأكثر تركيزًا على التمييز والفرز والتوجيه وحساسية أعلى تجاه الزيف، والتكرار والأنماط المصطنعة وعلاقة مختلفة مع المعنى لا تقوم على الامتلاك المعرفي، بل على التموضع الوجودي. إن هذا الإنسان لا ينافس الذكاء الاصطناعي في سرعته، بل في نوعية حضوره الذهني؛ لا في كمّ المعلومات، بل في القدرة على إعادة تأطيرها ضمن سياق إنساني شامل.
كما لم يكن الإنسان الحالي خيارًا واعيًا للكائنات التي سبقته، فإن الإنسان الجديد ليس مشروعًا إراديًا ولا رفاهًا فكريًا. إنه استجابة اضطرارية لمرحلة تاريخية غير مسبوقة. فالتطور لا يستأذن، بل يفرض نفسه حيث يصبح الثبات مرادفًا للفناء.
نحن نعيش، على الأرجح، بدايات تحويلة تطورية ثانية، لا تقل عمقًا عن تلك التي أنجبت الإنسان كما نعرفه، تحويلة لن تنتج كائنًا آليًا، بل إنسانًا أكثر إنسانية، لأن إنسانيته ستكون هذه المرة مشروطة بالوعي لا بالموروث الغريزي وحده. وما نراه اليوم من قلق وتوتر وارتباك معرفي، ليس إلا أعراض مخاض كائن لم يولد بعد.
