التحويلة الميتابايولوجية… من القردة الشبيهة بالإنسان إلى الإنسان الجديد

اعتاد العقل الحديث أن يتصور التطور بوصفه مسارًا خطيًا تصاعديًا، يتحسن فيه الكائن الحي تدريجيًا من الأدنى إلى الأعلى، ومن الأبسط إلى الأعقد. غير أن هذا التصور، على بساطته، يعجز عن تفسير الانقطاعات النوعية والقفزات الوجودية والتحولات البنيوية التي لا يمكن ردّها إلى التراكم الكمي وحده. ومن هذا العجز بالذات تنطلق المقاربة الميتابايولوجية، التي ترى في تاريخ الإنسان سلسلة تحويلات لا مجرد تحسينات وسلسلة أزمات لا مجرد تكيّفات.
المرحلة الأولى: القردة الشبيهة بالإنسان والتوازن الحيوي الصامت، ففي هذه المرحلة نحن أمام كائنات بايولوجية متقدمة نسبيًا، قردة شبيهة بالإنسان وتعيش ضمن قوانين الطبيعة دون اعتراض وتتحرك وفق منطق الغريزة والتوازن البيئي. لا وعي انعكاسي هنا ولا شعور مأزوم بالذات ولا صراع داخلي. إنها كائنات منسجمة مع الطبيعة، لا تشكو وجودها ولا تسائل معناها ولا تتمرد على حدودها.
الميتابايولوجيا ترى في هذه المرحلة نقطة الصفر الوجودية: حياة بلا قلق وبلا حرية وبلا خطيئة.
المرحلة الثانية: القرد الشبيه بالإنسان المصاب واختلال العصب وبذرة المأزق، فهذه المرحلة تمثل لحظة فارقة ومهملة في السرديات التقليدية: لحظة الاختلال العصبي. يتعرض قرد شبيه بالإنسان لإصابة فايروسية دماغية أحدثت خللًا في توازن جهازه العصبي، فحوّلته من كائن متزن إلى كيان متوحش ومفرط العدوانية وفاقد للانسجام مع محيطه. لم يعد هذا الكائن حيوانًا طبيعيًا، لكنه لم يصبح إنسانًا بعد.
هنا، بحسب المقاربة الميتابايولوجية، وُلد المأزق في عدوان بلا حكمة وقوة بلا معنى ووعي مشوّه بلا توجيه. هذه المرحلة لا تمثل تطورًا، بل تشوّهًا، وهي المرحلة التي لا تجد لها البايولوجيا التطورية مكانًا واضحًا في سرديتها، لأنها لا تنتج منفعة تكيفية مستقرة.
المرحلة الثالثة: آدم والشفاء الإلهي والتحويلة التطورية الأولى: في هذه اللحظة المفصلية تتدخل الإرادة الإلهية تدخلًا مباشرًا، فيُعاد ضبط هذا الكائن المختل ويُشفى من إصابته العصبية، فيتحول إلى إنسان في أحسن تقويم. هذا الإنسان يمثله آدم، لا بوصفه أول كائن حي، بل بوصفه أول إنسان سويّ. فآدم هنا ليس نتاج تطور أعمى، بل ثمرة شفاء وتقويم وتدخل إلهي مقصود. غير أن هذه الحالة لم تدم. فبأكله من الشجرة حدثت التحويلة التطورية التي لا تستطيع البايولوجيا التطورية تفسيرها: تحويلة أصابت بنية الوعي ذاتها، وليس الجسد فقط، نتج عنها وعي انعكاسي مثقل وشعور حاد بالذات وإدراك للسوءات وقلق وجودي وازدواج في الإرادة. ومن هنا بدأ الإنسان كما نعرفه اليوم: كائن مكسور التوازن وعظيم القدرة ومأزوم المعنى.
المرحلة الرابعة: الإنسان المعاصر والتوتر مع الذكاء الاصطناعي وبداية التحويلة الثانية، فالإنسان الحالي يعيش اليوم مرحلة توتر ميتابايولوجي غير مسبوق.
فللمرة الأولى، يواجه ذكاءً غير بشري ينافسه في التفكير ويتفوق عليه في المعالجة ويهدد وهم تفوقه العقلي. هذا التوتر لا ينبع من عداء الآلة، بل من تفاعل إيجابي معها، تفاعل كشف حدود الإنسان وعرّى هشاشته المعرفية ووضعه أمام سؤال وجودي جديد: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا، إذا لم يعد أذكى الكائنات؟
الميتابايولوجيا ترى في هذا التوتر محفّز التحويلة التطورية الثانية: تحويلة لن تنتج كائنًا سيبرانيًا ولا إنسانًا مهجّنًا، بل إنسانًا بايولوجيًا جديدًا بوعي أقل غرورًا وبحرية أعمق وبذكاء لا يقوم على السيطرة، بل على التنظيم والمعنى
إن هذه المراحل الأربع ليست سردية خيالية، بل محاولة لإعادة فهم الإنسان خارج الاختزال العلمي الضيق. فالإنسان لم يكن يومًا نتاج تحسينات بسيطة، بل نتاج أزمات وجودية متراكمة. وكما ولدت الإنسانية الأولى من اختلال ثم شفاء ثم سقوط، فإنه قد تولد الإنسانية القادمة من توتر ثم وعي ثم تجاوز. إن الإنسان الجديد، إن وُلد، لن يكون أكثر قوة، بل أكثر اتزانًا. ولن يكون أقل حرية، بل أكثر مسؤولية عن إنسانيته.

أضف تعليق