لحظة “كن فيكون”… حين تتجلى إرادة الله وينقطع حبل الأسباب

تقوم الميتابايولوجيا على افتراضٍ مركزي مفاده أن الوجود، في مستواه العام، يسير وفق منظومة صارمة من القوانين والأسباب التي بثّها الله تعالى في الكون يوم خلق السماوات والأرض، وأن هذه المنظومة كافية لتفسير السلوك الكوني والبايولوجي الاعتيادي، ولكنها تعجز، بحكم طبيعتها، عن تفسير التحولات الوجودية النوعية التي شكّلت نقاط انعطافات حادة في مسار الوجود، وبالأخص في مسار نشوء الإنسان كما نعرفه.
ويكشف التدبر القرآني لقول الله تعالى “كن فيكون” عن هذا التمييز الجوهري بين مستويين من الفعل الإلهي:
1. فعل تأسيسي سنني: يتمثل في خلق القوانين والأسباب التي تحكم الوجود وتضبط سيره.
2. فعل سيادي استثنائي: يتدخل حين تعجز تلك القوانين نفسها، والتي خلقها الله تعالى، عن تحقيق المراد الإلهي.
فالقرآن يقرر بوضوح أن نظام الكون لم يُترك للاعتباط أو الفوضى، بل أُحكم ومنذ لحظة الخلق الأولى، كما في قوله تعالى: (إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (من 36 التوبة)، وهي آية لا تتحدث عن الزمن فحسب، بل عن تثبيت البنية النظامية للوجود منذ لحظة التكوين. غير أن هذا النظام، مهما بلغ من الإحكام، لا يمثل قيدًا على الإرادة الإلهية، بل أداة من أدواتها. وهنا تتجلى “كن فيكون” لا بوصفها صيغة لفظية، بل بوصفها فعلًا وجوديًا يعلّق السببية حين تستنفد طاقتها التفسيرية والتكوينية.
من منظور ميتابايولوجي، لا تمثل آيات “كن فيكون” في القرآن العظيم خرقًا عبثيًا لقوانين الطبيعة، بل تشير إلى حدود تلك القوانين نفسها. فالقوانين تفسر ما يقع ضمن نطاقها، لكنها تصمت أمام ما يتجاوزها. فولادة إنسان من دون أب، كما في حالة عيسى عليه السلام، ليست مجرد معجزة دينية، بل حدث ميتابايولوجي بامتياز: حدثٌ تعجز المنظومة البايولوجية المعتادة عن إنتاجه، فيتدخل الفعل الإلهي المباشر ليُحدث وجودًا لا يمكن إرجاعه إلى تفاعل الأسباب المعهودة.
وهنا تتساوى الحالات التي يوردها القرآن: فخلق آدم من تراب وخلق عيسى من أم بلا أب وتعطيل خاصية الإحراق في النار لإبراهيم. جميعها تمثل نقاط تعليق للسنن لا إلغاء لها، وتؤكد أن القوانين ليست ذات سيادة مستقلة، بل تعمل ما دامت تعمل ضمن الإرادة الإلهية.
في ضوء هذا الفهم، تقترح الميتابايولوجيا أن الإنسان نفسه، كما نعرفه اليوم، ليس نتاج سلسلة بايولوجية صمّاء مكتفية بذاتها، بل ثمرة تدخل وجودي نوعي لا يمكن تفسيره بأدوات التطور الدارويني وحدها. فالتحول الذي طرأ على الإنسان على مستوى الوعي والإحساس بالذات والتوتر الداخلي والانفصال عن الانسجام الحيواني، يمثل في جوهره امتدادًا لمبدأ “كن فيكون” داخل التاريخ الإنساني، لا بوصفه خلقًا فجائيًا جديدًا، بل تحويلة وجودية عطّلت المسار البايولوجي المتوقع وفتحت مسارًا جديدًا لم يكن ممكنًا بالقوانين السابقة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي تعجز البايولوجيا التطورية عن حلها: كيف انتقل كائنٌ محكوم بمنطق البقاء الحيواني إلى كائنٍ ممزق بين إرادتين، مثقل بالوعي، محكوم بالصراع الأخلاقي والقلق الوجودي؟
الميتابايولوجيا تجيب: لأن لحظة “كن فيكون” لم تنتهِ عند خلق الكون، بل تجلّت مرة أخرى في قلب المسار الإنساني.
إن آيات “كن فيكون” لا تكشف فقط عن قدرة الله المطلقة، بل تكشف عن هندسة الوجود نفسها: وجودٌ يعمل بالقوانين ويُعاد تشكيله عند الضرورة، دون أن يفقد تماسكه أو معناه.
ومن هنا، فإن الإنسان ليس لغزًا بيولوجيًا فحسب، بل كائنًا وُلد عند تخوم السببية، في المنطقة الرمادية بين السنن والتدخل، بين الطبيعة والسيادة، بين ما يمكن تفسيره وما لا يمكن إلا الإقرار به.

أضف تعليق