مقاربة ميتابايولوجية لإنسان المستقبل (الانسان الجديد)

تخبرنا الميتابايولوجيا أن الإنسان كما نعرفه اليوم ليس الامتداد الطبيعي المباشر للكائنات الشبيهة بالبشر التي سبقته، ولكنه نتاج تحويلة تطورية نوعية أحدثت قطيعة في البنية النفسية والعصبية، وليس مجرد تحسّن وظيفي في القدرات. تلك التحويلة الأولى لم تُنتج “حيوانًا أذكى”، بل كائنًا مأزومًا وجوديًا: كائنًا مفرط الوعي بذاته ومزدوج الإرادة ومختل التوازن مع محيطه وقادرًا على معارضة قوانين الطبيعة بدل الخضوع الصامت لها وذلك كما يفعل الحيوان. واليوم، ونحن نشهد ولادة ذكاءات غير بشرية تتفوق على الإنسان في مجالاتٍ كانت تُعدّ جوهر إنسانيته، تضعنا الميتابايولوجيا أمام سؤالٍ لا يقل خطورة عن السؤال الأول:
هل يقف الإنسان المعاصر على أعتاب تحويلة ميتابايولوجية ثانية؟
وفق المقاربة الميتابايولوجية، لا يُقاس تطور الإنسان بزيادة كفاءته، بل بنشوء اختلال بنيوي يفرض على الكائن إعادة تعريف ذاته. فالإنسان لم يصبح إنسانًا عندما تعلم استخدام الأدوات، بل عندما دخل في صراع مع ذاته ومع غرائزه ومع معنى وجوده. فالتحويلة الأولى أنتجت ذاتًا منفصلة عن الطبيعة ووعيًا انعكاسيًا مثقلًا بالقلق وقدرة على الكذب والتمثيل والتبرير وميلًا دائمًا لتجاوز حدوده البيولوجية. هذا الاختلال، لا التفوق، هو ما ميّز الإنسان. من هذا المنظور، لا يُفهم الذكاء الاصطناعي بوصفه “خليفة الإنسان”، بل بوصفه عامل ضغط ميتابايولوجي غير مسبوق. إنه لا يهدد الجسد البشري، بل يهدد الوهم المركزي الذي عاش عليه الإنسان منذ التحويلة التطورية الأولى: وهم التفوق العقلي المطلق. فالإنسان يواجه اليوم كيانًا لا يعاني القلق الوجودي ولا يحمل تضاد الإرادات ولا يعرف المعنى لكنه يتقن المعالجة ولا يملك وعيًا لكنه يتفوق في المحاكاة. وهنا يتجلى التوتر الميتابايولوجي الأقصى:
كائن مأزوم بالوعي يواجه كيانًا متحررًا منه.
الميتابايولوجيا ترفض التصور الشائع الذي يرى مستقبل الإنسان في الاندماج التقني. فالتحويلات التطورية الكبرى لم تحدث يومًا عبر ترقيع خارجي، بل عبر انفجار داخلي في البنية العصبية–النفسية. كما لم تُضف التحويلة التطورية الأولى عضوًا جديدًا إلى الإنسان، بل أعادت تنظيم الدماغ والوعي، فإن التحويلة التطورية القادمة، إن وقعت، ستكون بايولوجية خالصة، عصبية المصدر، نفسية الأثر، وجودية النتائج. الإنسان الجديد لن يحمل شريحة في دماغه، لأن الشريحة لا تحل مأزق الإنسان، بل تتجاوزه. بينما التحويلة الميتابايولوجية دائمًا تغوص في المأزق بدل الهروب منه.
إن هذه التحويلة التطورية لا يمكن رصدها وهي في طور الصيرورة، لكن يمكن استشراف اتجاهها، وذلك كما يلي:

  1. انكماش الأنا: فالإنسان الجديد أقل تمركزًا حول ذاته لأن الذكاء الاصطناعي حطّم وهم التفوق الفردي.
  2. تحوّل وظيفة الوعي من إنتاج المعرفة إلى تنظيم المعنى.
  3. إعادة ضبط العلاقة مع الزمن، ففي عالم فائق التسارع، لن ينجو من يواكب السرعة، بل من يُعيد تعريف الإيقاع.
  4. وعي بلا استعلاء؛ وعي يعرف حدوده ليس لأنه ضعيف، بل لأنه خَبِّر حدود العقل.
    هذه ليست تحسينات، بل إعادة تشكّل أنثروبولوجي.
    إن الميتابايولوجيا لا تبشر بإنسان خارق، بل بإنسان أقل غرورًا وأقل وهمًا وأقل اندفاعًا للهيمنة وأكثر قدرة على العيش مع التعقيد. إنه إنسان لا ينافس الآلة في الحساب، بل يتجاوزها في تحمّل المأزق، وهي السمة التي لم ولن تمتلكها أي آلة.
    كما لم يكن ظهور الإنسان الأول حدثًا اختياريًا، فإن الإنسان الجديد، إن وُلد، لن يكون نتاج قرار، بل نتيجة حتمية لتراكم التوتر الميتابايولوجي. فما نعيشه اليوم من ارتباك معرفي وقلق وجودي وفقدان معنى وتآكل اليقين، ليس انحطاطًا، بل مرحلة ما قبل التحوّل. إنها اللحظة التي يصبح فيها الإنسان إما قادرًا على إعادة ابتكار إنسانيته
    أو عاجزًا عن البقاء كما هو. وهنا فقط نفهم أن الذكاء الاصطناعي ليس نهاية الإنسان، بل اختباره الأعظم.

أضف تعليق