أكل آدم من الشجرة وبداية رحلة الانسان مع “كُن فيكون”

لا تتعامل الميتابايولوجيا مع حادثة الشجرة بوصفها زلة أخلاقية عابرة أو اختبار طاعة بسيط أو واقعة رمزية خالصة، بل تراها لحظة تحوّل بنيوي في الكيان الإنساني، لحظة خرج فيها الإنسان من كونه كائنًا سننيًا منضبطًا إلى كائن مختل البنية، لا يستقيم وجوده بالقانون وحده. فآدم قبل الشجرة كان متسقًا داخليًا ومندمجًا مع الغاية وخاضعًا للسنن دون مقاومة نفسية أو انقسام إرادي. أما بعد الشجرة، فقد نشأ الإنسان كما نعرفه: كائنًا مزدوج الإرادة ومفرط الوعي بذاته وقادرًا على مخالفة ما يعرف ومعارضة ما أُمر به. وهنا تبدأ القصة الميتابايولوجية الحقيقية. فالشجرة أحدثت شرخًا داخليًا لم يكن موجودًا من قبل. هذا الشرخ لا يُختزل في مفهوم “الخطيئة”، بل يتمثل في انقسام الإرادة وانفصال المعرفة عن السلوك وتحوّل الوعي من أداة انسجام إلى مصدر توتر. ومن هذه اللحظة، لم يعد الإنسان خاضعاً للسنن خضوعًا تلقائيًا ولا يستجيب للهدى استجابة طبيعية ولا ينضبط بالقانون دون مقاومة. فلقد أصبح كائنًا مضادًا للتوازن. وهنا تلتقي الشجرة مباشرة مع قول الله تعالى «كُن فيكون”. فالسنن الكونية، مهما بلغت دقتها، تفترض وجود كائنًا يستجيب لا كائنًا يعاند. لكن الإنسان بعد الشجرة أصبح يعرف ثم يخالف ويُبصر ثم ينحرف ويُؤمر ثم يعارض. وبذلك دخل الوجود طورًا جديدًا: طور الكائن الذي لا تكفي السنن وحدها لضبط مساره. ومن هنا، لم يعد الفعل السنني كافيًا لتحقيق الغاية الإلهية من خلق الإنسان.
في هذا السياق، تعيد الميتابايولوجيا تعريف تكثيف «كُن فيكون» بوصفه استجابة سيادية مباشرة للاختلال البنيوي الذي أحدثته الشجرة في الكيان الإنساني. فكلما عجز القانون عن ردع الانحراف أو تصحيح المسار أو إعادة الإنسان إلى وجهته الوجودية، تدخّلت السيادة الإلهية، لا لتلغي السنن، بل لتعليقها مؤقتًا وإنقاذ الغاية.
وهكذا نفهم لماذا لم تتكثف «كُن فيكون» قبل الإنسان ولم تظهر بكثافة إلا بعد الشجرة، ولم تبلغ ذروتها إلا في زمن النبوات.
فالنبوة، في هذا الإطار، لا تُقرأ بوصفها خطابًا أخلاقيًا فحسب، بل برنامجًا سياديًا لإدارة كائن مختل البنية. والمعجزة ليست إبهارًا أو كسرًا اعتباطيًا للقانون، بل إشارة وجودية إلى أن الإنسان انحرف إلى درجة لم يعد معها قانون الأسباب وحده كافيًا. فكل معجزة هي تذكير بأن السيادة لا تزال قائمة وإنذار بأن الاختلال بلغ حدًّا خطرًا ومحاولة أخيرة لإعادة وصل الإنسان بالغاية.
إن الاختلال البنيوي الذي احدثته الشجرة لم ينتهِ بعد انقطاع النبوة. ولهذا لم تنقطع تجليات «كُن فيكون»، بل خفّت حدّتها وتغيّر سياقها وانتقلت من التأسيس إلى الاستمرار. وكرامات الأولياء، في هذا المنظور، ليست دليلاً على ترقية بشرية خارقة، بل عرضًا من أعراض استمرار الخلل البنيوي في الإنسان. فالسيادة تتدخل حيث يعجز الإنسان عن الاتزان، لا حيث بلغ الكمال.
تخلص الميتابايولوجيا إلى أن التاريخ البشري ليس سلسلة أحداث سياسية ولا تطورًا ثقافيًا فحسب، بل تاريخ معالجة مستمرة لاختلال واحد بدأ عند الشجرة. وكل تكثيف للظهور تجليات «كُن فيكون» هو أثر ارتدادي لذلك الاختلال الأول ومحاولة متكررة لتطويق نتائجه وتأجيل لانهيار الغاية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الشجرة ليست حدثًا ماضيًا وليست رمزًا أخلاقيًا فقط وليست قصة تعليمية، بل هي اللحظة التي خرج فيها الإنسان من قابلية الضبط السنني، ودخل طور الحاجة الدائمة إلى التدخل السيادي. ومن دون فهم الشجرة بوصفها اختلالًا ميتابايولوجيًا، فإنه من المستحيل فهم: تكثيف ظهور تجليات «كُن فيكون» ودور النبوة ومعنى المعجزة وسبب استمرار الكرامة وأزمة الإنسان المعاصر.

أضف تعليق