
تنطلق الميتابايولوجيا من فرضيةٍ مركزية مفادها أن الوجود، في مستواه الكوني العام، يسير وفق منظومةٍ دقيقة من القوانين والسنن التي بثّها الله تعالى في الخلق منذ لحظة التأسيس الأولى. وهذه السنن كافية لتفسير انتظام الكون وتوازن الطبيعة وسلوك الكائنات الحية غير العاقلة، دون حاجةٍ إلى تدخلٍ سيادي استثنائي متكرر. غير أن هذه المنظومة السننية على كمالها واتساقها، ليست هي المستوى الوحيد للفعل الإلهي في الوجود. فالقرآن يكشف عن مستوى آخر من الفعل، أعلى رتبة، يُعبَّر عنه بصيغة “كن فيكون”: وهذا الفعل لا يرد بوصفه بديلًا عن السنن، ولا نقيضًا لها، بل بوصفه آلية سيادية لتعليقها أو تجاوزها عندما تعجز عن تحقيق الغاية الإلهية المقصودة. ومن هذا التمييز الجوهري بين الفعل السنني والفعل السيادي تنطلق المقاربة التي تتبناها هذه المقالة.
جرت العادة في الخطاب الديني التقليدي على اختزال «كُن فيكون» في معناها التأسيسي الأول: أي الإيجاد اللحظي. غير أن التدبر القرآني يُظهر أن “كن فيكون” لا يقتصر على لحظة الخلق الأولى، بل يُستدعى لاحقًا في سياقات تتعلق بتعليق الأسباب أو تجاوز القوانين أو إحداث تحوّل نوعي لا يمكن للسنن القائمة أن تُنتجه. وعليه، تقترح الميتابايولوجيا تعريفًا أوسع لـ “كُن فيكون” بوصفها: قانونًا سياديًا فوق-سنني، يُفعَّل عند اختلال الغاية داخل نظامٍ سنني عاجز عن تصحيح نفسه ذاتيًا.
بهذا المعنى، لا تكون “كُن فيكون” نقيضًا للقانون، بل استجابة سيادية لعدم تمكن القانون من تحقيق المقصود منه.
إن قراءة الوجود قبل الإنسان، كما يعكسها التدبر القرآني، تُظهر عالمًا منتظمًا مستقرًا خاضعًا بالكامل للسنن التي خُلق بها. فالكائنات غير العاقلة لا تعارض قوانين الطبيعة ولا تُخلّ بميزان الغاية ولا تحتاج إلى تصحيحٍ وجودي خارج ما أُودِع فيها من هداية فطرية. ولهذا لم يشهد العالم قبل الإنسان تكثيفًا لتدخلات “كُن فيكون” بالمعنى الاستثنائي؛ لا لغياب القدرة الإلهية، حاشا، بل لغياب الموجب الوجودي. فالسنن كانت كافية والغاية متحققة والتوازن محفوظ.
ومع ظهور الإنسان، حدث ما يمكن تسميته ميتابايولوجيًا بـ الاختلال السنني الداخلي. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك وعيًا يجعله قادرًا على معارضة ما يعرف ويملك إرادة تمكّنه من مخالفة ما خُلق عليه ويُفسد الغاية وهو يعلمها.
فالحيوان يخضع للسنن والجماد يخضع للسنن، لكن الإنسان وحده يملك القدرة على تعطيلها أخلاقيًا ووجوديًا. ومن هنا، لم يعد النظام السنني وحده كافيًا لضبط مسار هذا الكائن. فاستُدعيت السيادة الإلهية بصيغةٍ متكررة، لا لإلغاء القانون، بل لإنقاذ الغاية التي بات القانون عاجزًا عن حمايتها.
إن التكثيف الفعلي لتجليات “كن فيكون” لم يظهر إلا مع دخول البشرية طور الرسالات. فالنبوة، في المنظور الميتابايولوجي، ليست مجرد خطاب وعظي، بل مجال مكثف لتدخل السيادة الإلهية في عالم اختل توازنه بفعل الإنسان. فالمعجزات وخوارق العادات وانشقاق المألوف، كلها ليست استعراضًا للقوة، بل تصحيحًا لمسارٍ لم تعد السنن وحدها قادرة على إعادته إلى وجهته المألوفة.
ومع انقضاء زمن النبوات، فإن تجليات «كُن فيكون» لم تنقطع، لكنها انتقلت من السياق التأسيسي للمعجزة إلى سياق الكرامة. وهنا تُصرّ الميتابايولوجيا على ضبط المفهوم بدقة: فالولي لا يملك قانون «كُن فيكون» ولا يُفعّله ولا يتسبب به سببيًا، بل هو محلٌّ لوقوع الفعل الإلهي، حين تقتضي الحكمة استمرار التعليق السيادي للسنن في سياق إنساني مختل. وبذلك تبقى السيادة لله وحده، ويبقى الإنسان، نبيًا كان أو وليًا، خارج دائرة الفعل المستقل.
تخلص الميتابايولوجيا إلى نتيجة مركزية: تجليات «كُن فيكون» لم تتكثف لأن الله غيّر سننه، بل لأن الإنسان غيّر موقعه من تلك السنن. فكلما ازداد اختلال الإنسان أخلاقيًا ووجوديًا وغائيًا، ازداد استدعاء الفعل السيادي بوصفه آلية إنقاذ أخير.
إن تكثيف تجليات «كُن فيكون» ليس ظاهرة خارقة معزولة، ولا استثناءً تاريخيًا عابرًا، بل عرضٌ ميتابايولوجيٌّ لاختلال الكائن الإنساني. وهو دليل على أن الإنسان لم يعد كائنًا سننيًا خالصًا، ولا يمكن ضبط مساره بالقانون وحده، بل يحتاج، بحكم طبيعته المتحوّلة، إلى تدخل سيادي يعيد توجيهه كلما انحرف عن الغاية التي خُلق لها. وبهذا، تُدرج «كُن فيكون» ضمن بنية المشروع الميتابايولوجي لا بوصفها معجزة، بل بوصفها ضرورة وجودية فرضها الإنسان على نفسه.
