
لا تنطلق الميتابايولوجيا من رفض العلم، ولا من معاداته، بل من مساءلته عند حدوده القصوى. فهي ترى أن البايولوجيا التطورية، على الرغم مما حققته من إنجازات في تفسير الظاهرة الحيوانية فإنها تتعثر كلما اقتربت من الإنسان بوصفه كائنًا وجوديًا مأزومًا، لا مجرد كائن متكيف. ذلك أن الإنسان بخلاف الحيوان لا يكتفي بأن يعيش، بل يسأل: لماذا أعيش؟ ولماذا هكذا؟ ولماذا لا أحتمل ما أحتمل؟
ومن هنا تطرح الميتابايولوجيا فرضيتها المركزية التي مفادها أن الإنسان ليس نتاج تطور خطي، بل ثمرة تحويلات نوعية متعاقبة ارتبطت باختلالات بنيوية في الجهاز العصبي–النفسي، أعادت تشكيل الوعي والحرية والمعنى.
تُشير الميتابايولوجيا إلى أن الكائنات التي سبقت الإنسان لم تكن “إنسانًا ناقصًا”، بل حيوانات مكتملة ضمن نظامها الطبيعي. فالقردة الشبيهة بالإنسان عاشت في توازن حيوي صارم، تحكمها الغريزة، ويضبط سلوكها الاقتصاد الطبيعي للطاقة والبقاء.
وكانت خصائص هذه المرحلة: غياب الوعي الانعكاسي وغياب الشعور بالذات كعبء وغياب القلق الوجودي وانسجام كامل مع البيئة. إنها حياة بلا حرية، لكنها أيضًا بلا مأزق. ومن منظور ميتابايولوجي، هذه ليست مرحلة “بدائية”، بل مرحلة استقرار حيوي مكتمل.
إن الميتابايولوجيا تفترض وجود لحظة انقطاع غير مفسَّرة بيولوجيًا: اختلال عصبي حاد أصاب بعض القردة الشبيهة بالإنسان، نتيجة إصابة فايروسية دماغية أدت إلى اضطراب جذري في التوازن العصبي. وكان نتائج هذا الاختلال عدوانية مفرطة غير مبررة تكيفيًا وانفصال عن الإيقاع الطبيعي وسلوك تخريبي لا يخدم البقاء طويل الأمد وتشوّه في العلاقة مع الجماعة. هذا الكائن لا يمكن تصنيفه حيواناً طبيعياً أو إنساناً. وهنا بالضبط يظهر مأزق التفسير الدارويني: فهذا النمط من السلوك لا يمنح ميزة تطورية مستقرة، بل يُنتج خطر الانقراض. الميتابايولوجيا ترى في هذه المرحلة بذرة الإنسان لا من حيث الكمال، بل من حيث الأزمة. في هذه اللحظة المفصلية، يحدث ما لا تستطيع البيولوجيا تفسيره: تدخل إلهي مباشر يعيد ضبط هذا الكائن المختل ويشفيه من علته العصبية، فينتج إنسانًا في أحسن تقويم. آدم هنا لا يُقدَّم بوصفه أول كائن حي، بل بوصفه أول كائن بشري سويّ بعد مرحلة اختلال مرضي
إنه إنسان متزن عصبيًا وواعٍ دون انشطار وقادر على الإدراك دون قلق وحر دون تمزق. لكن هذه الحالة التوازنية لم تدم. فبأكل آدم من الشجرة، حدثت التحويلة الميتابايولوجية الأولى: تحويلة لم تُصب الجسد، بل أصابت بنية الوعي ذاتها. نتج عنها: الوعي بالسوءات وتضخم الأنا وازدواج الإرادة وقلقاً وجودياً والانفصال عن الطبيعة. ومن هنا وُلد الإنسان كما نعرفه كائن حر، لكنه مأزوم. واعٍ، لكنه منقسم.
قادر، لكنه غير متصالح مع بيئته.
إن الإنسان المعاصر يعيش اليوم مرحلة توتر غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية جمعاء ناجمة عن تفاعله مع الذكاء الاصطناعي. وهذا التوتر لا ينشأ من العداء، بل من التقارب. فالذكاء الاصطناعي يهدد وهم التفوق العقلي ويعرّي حدود الوعي البشري ويُجبر الإنسان على مساءلة تعريفه لذاته. الميتابايولوجيا ترى في هذا الوضع مرحلة ما قبل التحويلة الثانية. فالدماغ البشري يتعرض اليوم لضغط معرفي–وجودي متواصل، سيؤدي، كما أدت الضغوط السابقة إلى إعادة تنظيم داخلي عميق. وهنا نصل إلى الفرضية المفصلية: الإنسان القادم لن يكون سيبرانيًا، بل بايولوجيًا جديدًا. تحويلة في وظيفة الوعي ومعنى الحرية وحدود الأنا وعلاقة الإنسان بالمعنى. إن الإنسان الجديد، وفق هذا الإطار، ليس كائنًا خارقًا، بل كائنًا أقل غرورًا وأقل وهمًا وأكثر اتزانًا وأعمق وعيًا بحدوده. ذكاؤه لن يقوم على التفوق، بل على تحمّل المأزق. وحريته لن تكون انفلاتًا، بل مسؤولية وجودية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الإنسان ليس مرحلة نهائية، بل مشروعًا مفتوحًا.
وما الميتابايولوجيا إلا محاولة لقراءة هذا المشروع لا من زاوية النجاح، بل من زاوية الأزمة. فالإنسان وُلد من اختلال وتشكّل عبر شفاء وسقط في الوعي وقد يولد من جديد عبر التوتر. وهكذا، فإن التحويلة الميتابايولوجية الثانية ليست احتمالًا نظريًا، بل استحقاقًا تاريخيًا.
