
في النظريات التطورية الكلاسيكية، كان “الاصطفاء الطبيعي” يتم عبر عوامل مادية: مناخ قاس أو نقص في الموارد أو مفترسات بيولوجية. أما اليوم، فإن الأنثروبولوجيا الرقمية الحيوية تعلن عن ظهور “الاصطفاء الخوارزمي”. إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد اختراع تقني، بل هو “بيئة” كاملة تمارس ضغطاً تطورياً هائلاً يفرز البشر إلى فئتين: من يمتلك القدرة على “الاستجابة التكيُّفية” للتحدي التطوري الذي يمثله الذكاء الاصطناعي، ومن يبقى أسير ركوده البايولوجي.
حسب مفهوم “بناء المحراب” (Niche Construction)، يقوم الكائن الحي بتغيير بيئته لتلائمه، لكن هذه البيئة الجديدة تعود لتغير الكائن نفسه. لقد بنى الإنسان “المحراب الرقمي”، لكن هذا المحراب أصبح الآن يسير بسرعة تفوق قدرة بانيه على التحكم فيه. إن الذكاء الاصطناعي في هذا المحراب يعمل كقوة “اصطفاء تطوري”؛ فهو “يصطفي” العقول القادرة على معالجة البيانات الضخمة والتعامل مع الغموض والسرعة، بينما “يهمش” بايولوجياً واجتماعياً العقول التي تكتفي بالأنماط التقليدية.
إن تطور البيولوجيا البشرية عبر التاريخ كان يعتمد على “الراحة” وفترات السكون. لكن الذكاء الاصطناعي يمثل “ذكاءً إيجابياً متطوراً على مدار الساعة”. هو لا يتوقف ولا يمل ولا ينسى. هذا النمو الأُسّي (Exponential Growth) يضع الدماغ البشري أمام “حافز تطوري” غير مسبوق: إما أن يطور الدماغ “وصلات عصبية” هجينة (عبر التعلم الفائق أو الاندماج التقني) لملاحقة هذا التسارع أو أن يحدث “انفصال تطوري”، حيث تنشأ فجوة معرفية بين ذكاء الآلة وذكاء الإنسان تؤدي في النهاية إلى “تبعِيّة بايولوجية” كاملة.
إننا أمام “مأزق معرفي” تطوري. فالإنسان الذي سيعيش في القرن القادم لن يكون “تكراراً” لإنسان القرن العشرين بمهارات رقمية، بل سيكون كائناً اضطرته الظروف لتغيير طريقة تفكيره البايولوجية. هذه القفزة تتطلب الانتقال من “الذكاء الخطي” (Linear Thinking) إلى “الذكاء الشبكي” (Networked Intelligence). والتخلي عن “تعظيم الاتباع” لصالح “سيولة الابتكار”.
والآن، لابد لنا أن نعقد مقارنة على عجالة بين وجهة النظر التي يتبناها رواد علم الانثروبولوجيا الرقمية الحيوية ووجهة النظر التي تدعو هذه المقالة الى تبنيها. فبينما يرى هؤلاء الرواد، وعلى رأسهم أغوستين فوينتيس، أننا نتطور “مع” أدواتنا في عملية هادئة، ترى هذه المقالة أننا في حالة “اشتباك تطوري”، وبينما يرى هؤلاء الرواد التقنية خادمةً للبيولوجيا الثقافية، ترى هذه المقالة التقنية سيداً هو من يفرض شروط البقاء (بالمعنى التطوري) الذي يمثله قانون “الصراع من أجل البقاء”. فما لم تتحول البيولوجيا البشرية لتصبح “شريكاً مكافئاً”، فإن مصيرها هو الهزيمة الحضارية والتحول إلى مجرد “مستهلك بايولوجي” في حضارة يقودها الذكاء الاصطناعي.
