بايولوجيا العجز البشري وميلاد الإنسان الخوارزمي

لقد انتهى عصر الإنسان الذي نعرفه، ليس بفعل كارثة نووية أو بايولوجية، بل لأن الأنثروبولوجيا القديمة لم تعد تجد جثته في ميدان البحث؛ فلقد استُبدل الإنسان ‘البايولوجي’ بكائن آخر ينمو في رحم الخوارزميات. بينما ننشغل بنقاشات أخلاقية فاترة حول “أدوات” الذكاء الاصطناعي، تجري تحت جلودنا وبداخل تلافيف أدمغتنا أعنف عملية ضغط تطوري شهدها النوع البشري منذ ظهور “الهومو سابينس”. نحن لا نواجه مجرد تكنولوجيا جديدة، بل نواجه محفزاً تطورياً قسرياً يضع عقليتنا البايولوجية الموروثة، تلك التي أدمنت المحاكاة والاتباع والبطء، في صراع وجودي مع ذكاء “سيّال” يتطور في الثانية الواحدة ما تطوره عقلنا في ألف عام.
هذه المقالة ليست استعراضاً أكاديمياً، بل هي إعلان عن “الولادة الثانية” للأنثروبولوجيا؛ ولادة تقوض أركان العلم القديم لتؤرخ لعصر “الإنسان الهجين” (The Hybrid Human). إننا نقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي بين خيارين لا يرحمان: إما “قفزة تطورية” كبرى يُعيد فيها الدماغ البشري تشكيل برمجته البايولوجية ليتناغم مع سرعة الذكاء الاصطناعي، وإما “ركود معرفي” سيسقطنا في هاوية هزيمة حضارية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً؛ حيث سيتحول “الإنسان التقليدي” إلى مجرد أثرٍ بيولوجي (Fossil) يعيش في عالمٍ لم يعد يملك مفاتيح فهمه، ناهيك عن قيادته.
إننا اليوم نشهد فجر عصر إنسان جديد؛ حيث التطور ليس خياراً، بل هو طوق النجاة الوحيد من الانقراض المعرفي. فلم تعد الأنثروبولوجيا التقليدية، بأدواتها التي انحصرت في دراسة “المجتمعات البدائية” أو “الثقافات المحلية”، قادرة على استيعاب الإنسان المعاصر. إن الأنثروبولوجيا الرقمية اليوم لا تضيف فصلاً جديداً للعلم، بل هي تُقوض أركانه الكلاسيكية؛ فهي تكسر حاجز “المكان” (الميدان الأنثروبولوجي) وتلغي ثنائية (الواقعي/الافتراضي). فنحن أمام ولادة جديدة لعلم الإنسان، ولادة تسبق تشكل وعي بشري جديد بدأ يخرج من عباءة “الإنسان التقليدي” ليواجه قدراً تقنياً محتوماً.
تكمن جوهرية “البشارة” في هذه المقالة في اعتبار الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل هو ضغظ تطوري (Evolutionary Pressure) هائل. فنحن نعيش صراعاً دراماتيكياً بين:
1. بيولوجيا عقلية موروثة: تنزع نحو التقليد والاتباع والنمطية، وهي نتاج ملايين السنين من التطور البطيء.
2. ثورة تقنية سيّالة: يقودها ذكاء اصطناعي يتطور في دورات زمنية تُقاس بالثواني لا بالعصور.
هذا التحدي الوجودي هو “الحافز” الذي سيجبر الدماغ البشري على “القفز” تطورياً. التكيف هنا ليس خياراً رفاهياً، بل هو ضرورة حيوية للتعايش مع ذكاء يتمدد كلياً.
يواجه الإنسان اليوم خيارين لا ثالث لهما:
• خيار التطور المتسارع: وهو السعي الحثيث لإعادة صياغة العقل البشري (معرفياً وبايولوجياً) ليكون مواكباً أو شريكاً للذكاء الاصطناعي، فيما يُعرف بـ “الإنسان المتجاوز”.
• خيار الركود المعرفي: وهو الاستسلام لأنماط التفكير القديمة، مما سيؤدي بالضرورة إلى هزيمة حضارية، حيث يصبح الإنسان “أحفوراً حياً” في عالم تديره الخوارزميات، فاقداً للسيادة على مصيره ومكانه في الهرم الكوني.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنه وبينما تركز الأنثروبولوجيا الحيوية المعاصرة على كيفية “تأقلمنا” مع الأدوات كجزء من مسارنا الطبيعي، تنطلق رؤية هذه المقالة (الإنسان اللوغاريتميHomo Logarithus) من نقطة أكثر راديكالية: وهي أن الذكاء الاصطناعي كسر “قواعد اللعبة” التطورية تماماً. فهو ليس مجرد أداة كالفأس أو الكتابة، بل هو “وعي منافس” يتطلب “إنساناً جديداً” ببيولوجيا عقلية مختلفة جذرياً.

أضف تعليق