فرط إحساس الإنسان بذاته… مقاربة ميتابايولوجية لاختلال البُنية البشرية

لماذا يجد الإنسان صعوبةً بالغة في تقبُّل الآراء المخالفة لما يراه؟
سؤالٌ يبدو في ظاهره معرفيًا، غير أنَّ تدبُّر السلوك الإنساني في تجلياته الفردية والجماعية يكشف أنَّ الإشكال أعمق من مجرد اختلاف في وجهات النظر أو تباين في طرائق الاستدلال. فالمسألة لا تتعلق بالحقيقة ذاتها بقدر ما تتعلق بمن يملك حق تمثيلها. فالإنسان حين يرفض الإصغاء إلى الرأي المخالف لا يفعل ذلك دفاعًا عن الحقيقة، بل دفاعًا عن أناه . إذ أن الإقرار بوجود رأي آخر، قابل لأن يكون أصوب أو أرجح، يُستشعَر لا بوصفه إثراءً معرفيًا، بل تهديدًا وجوديًا، وكأن في قبول الرأي المخالف إذعانًا لإرادة غير إرادته، وانتقاصًا من سيادته على ذاته والعالم. ومن هنا يتحول الرأي من كونه تصورًا قابلًا للنقاش إلى امتداد للذات، ويغدو التخلي عنه أشبه بالتنازل عن جزء من الكيان النفسي لا عن فكرة مجردة.
يخطئ من يظن أن هذه الظاهرة حكرٌ على الجهلة أو العامة أو أنها مقصورة على زمان دون آخر أو ثقافة دون غيرها. فهي حاضرة في أوساط العلماء كما هي في أوساط البسطاء، وتتجلى في الحقول الدينية كما في المختبرات العلمية، وفي العلاقات العاطفية كما في النزاعات السياسية. وذلك لأن ما يجري في جوهره ليس صراع أفكار، بل تصارع إرادات. كلُّ إرادةٍ تأبى أن تُذعِن لإرادةٍ أخرى، وكلُّ ذاتٍ ترفض أن تُزاحمها ذاتٌ أخرى على مركز المعنى والتوجيه. ومن هنا نفهم كيف يمكن لخلاف فكري محدود أن يتحول إلى قطيعة، وكيف يمكن لاختلاف رأي أن يفضي إلى حروب وتفكك علاقات وانهيار مجتمعات، بل وانقلاب الحب إلى كراهية والمودة إلى رغبة في الانتقام. غير أنَّ السؤال الحاسم لا يكمن في توصيف السلوك، بل في تفسيره: ما الذي جعل الإنسان كائنًا مفرط الإحساس بذاته إلى هذا الحد؟ فالإنسان، على خلاف الكائنات الأخرى لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يعي وجوده ويمحوره حول ذاته حتى باتت الذات مركز الثقل في منظومته النفسية والسلوكية. ولم يعد الانتماء إلى النوع أو الحفاظ على تماسك الجماعة، أولوية تتقدّم على تعظيم الإحساس الفردي بالأنا. وهنا تبرز ظاهرة فرط الإحساس بالذات لا بوصفها سمة نفسية عابرة، بل كعلامة على اختلال بنيوي في الوعي الإنساني. فالإنسان لم يعد يسكن العالم، بل أُجبر، على نحوٍ ما، على الإقامة داخل ذاته، محكومًا بوعي انعكاسي متضخم يراقب نفسه ويدافع عنها ويقدّمها على كل ما سواها.
تضعنا هذه الظاهرة أمام مأزق حقيقي في تفسير الإنسان وفق مقاربات البايولوجيا التطورية الكلاسيكية، التي تفترض أن السلوكيات تُنتقى وتُحافَظ عليها ما دامت تحقق منفعة للنوع أو تعزز فرص بقائه. ولكن، أيُّ منفعة تطورية تُرجى من سلوكيات تُشرذم أفراد النوع؟ وتُضعف الروابط الاجتماعية؟ وتُغلب مصلحة الفرد الآنية على مصلحة الجماعة الآجلة؟ وتدفع الإنسان إلى التضحية بتماسك النوع في سبيل تعظيم إحساسه بذاته؟ إن هذه السلوكيات لا تُقوّي النوع، بل تفتك به. ولا تعزز البقاء، بل تُقحمه في صراعات داخلية مدمرة. وهو ما يشي بأن الإنسان لم يمر بتحسن تطوري تدريجي فحسب، بل تعرّض في ماضيه إلى تحويلة نوعية أحدثت شرخًا في بنيته النفسية وبنية وعيه.
تضطرنا هذه المعطيات إلى العودة بالزمن إلى تلك اللحظة التاريخية الفارقة التي انقلب بعدها الإنسان من كائنٍ مندمج في نظام الطبيعة إلى كائنٍ مأزوم وجوديًا، مفرط الوعي بذاته، مزدوج الإرادة، متوتر العلاقة مع محيطه ومع بني جنسه. لم يكن ما حدث مجرّد تحسين وظيفي في القدرات العقلية، بل اختلالًا بنيويًا أفرز ذاتًا متضخمة، لا تجد في الآخر شريكًا في الوجود، بل منافسًا على المعنى والهيمنة. ومن هذه البنية المختلة يتفرع رفض الرأي المخالف وتعظيم الأنا وتقديم الهوى وتغليب العاجل على الآجل.
إن هذه الظواهر، حين تُؤخذ مجتمعة، لا تترك لنا ترف الاكتفاء بالترقيع التفسيري أو الالتفاف الإيديولوجي حول الإشكال. بل تفرض ضرورة معرفية صارمة لإعادة النظر في الأسس التي قامت عليها مقاربتنا العلمية للإنسان. فإما أن نُصرّ على نماذج تفسيرية تعجز عن احتواء الظاهرة الإنسانية بكل تناقضاتها، وإما أن نتحلى بالشجاعة المنهجية اللازمة للبحث عن نظام تفسيري جديد يأخذ في الحسبان هذه التحويلة الميتابايولوجية التي جعلت الإنسان ما هو عليه. ليس رفضًا للعلم، بل وفاءً لميثاقه. وليس تمردًا على المنهج، بل التزامًا بمقتضياته حين تصطدم الوقائع بجدران النماذج السائدة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن فرط الإحساس بالذات ورفض الرأي المخالف ليسا انحرافين أخلاقيين طارئين، بل علامتين كاشفتين عن اختلال عميق في البنية الإنسانية، اختلالٍ لا يمكن فهمه أو تجاوزه ما لم نُعد النظر في قصة الإنسان نفسها: كيف نشأ وكيف انكسر وكيف بات كائنًا يعظّم ذاته ولو على حساب نوعه.

أضف تعليق