العقل الغربي المعاصر بوصفه نتاجًا لاختلالٍ ميتابايولوجي… من التحويلة التطورية إلى الهيمنة المعرفية

تنطلق الميتابايولوجيا من فرضيةٍ مركزية مفادها أن الإنسان كما نعرفه اليوم ليس ثمرة تطورٍ بايولوجيٍّ خطيٍّ طبيعي، بل نتاج تحويلة تطورية نوعية أحدثت اختلالًا بنيويًا في التوازن بين الوعي والإرادة والانتماء والمعنى. وقد تمثّل هذا الاختلال في نشوء كائنٍ مفرط الإحساس بذاته ومزدوج الإرادة متوتر العلاقة مع محيطه ومع بني جنسه، وقادر على معارضة قوانين الطبيعة بدل الانخراط الصامت فيها. ضمن هذا الإطار، لا يُفهم العقل الغربي المعاصر بوصفه “ذروة العقل الإنساني”، بل بوصفه أحد أكثر تجليات هذا الاختلال الميتابايولوجي تطرفًا وتنظيمًا.
في المراحل الأولى من هذه التحويلة الميتابايولوجية، نشأ لدى الإنسان وعيٌ جديد بالذات، كان من المفترض أن يكون أداةً للتكليف والمسؤولية. غير أن هذا الوعي، حين انفلت من ضوابطه القيمية والروحية، تحوّل إلى فرط إحساس بالذات.
العقل الغربي المعاصر يمثل المرحلة التي بلغ فيها هذا الفرط ذروته، فذاته لم تعد ذاتًا ثقافية مخصوصة، بل نصّبت نفسها مقياسًا كونيًا للعقل والحقيقة والمعرفة.
وهنا لا يكون ادعاء الكونية خللًا فلسفيًا فحسب، بل عرضًا ميتابايولوجيًا ناتجًا عن تضخم الأنا البشرية بعد التحويلة.
تُبيّن الميتابايولوجيا أن أحد أخطر آثار التحويلة التطورية هو انفصال العقل عن غايته الوجودية. فبدل أن يكون أداة فهم وتأمل، تحوّل إلى أداة ضبط وسيطرة.
وهذا ما نراه بوضوح في العقل الغربي: فالعلم لم يعد وسيلة لفهم الوجود بل تقنية لإدارته والإنسان لم يعد غاية، بل موردًا، حالةً، رقمًا، أو نمطًا سلوكيًا.
هذا التحول ليس انحرافًا أخلاقيًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لعقلٍ مختل التوازن منذ لحظة التحويلة الأولى.
تؤكد الميتابايولوجيا أن الإنسان، بعد التحويلة، لم يتخلَّ عن الأسطورة، بل غيّر شكلها. فحين فقد الاتصال العضوي بالرمز والمعنى، أعاد إنتاج الأسطورة في صورة “علم محايد” و”معرفة موضوعية”. إن العقل الغربي المعاصر هو التجسيد الأوضح لهذه المفارقة فهو يدّعي أنه تجاوز الأسطورة وبينما يمارس أكثر أشكالها خداعًا،
لأنه يُخفي إرادته للهيمنة خلف لغة المنهج والتجربة والإحصاء. ومن هنا نفهم لماذا كانت الأساطير التي أعاد الاستعمار الأوروبي صياغتها أساطير مفرغة من روحها ومقطوعة عن مخيّلة الشعوب ومُسخَّرة لتبرير السيطرة لا لفهم الإنسان.
في الرؤية الميتابايولوجية، أدى الاختلال البنيوي إلى انهيار الانتماء النوعي؛ أي شعور الإنسان بأنه جزء من نوعٍ واحدٍ متكامل. وحين انهار هذا الانتماء، صار الآخر تهديدًا أو مادةً للتصنيف أو حقلًا للتجريب. إن العقل الغربي المعاصر لم ينظر إلى الآخر بوصفه ذاتًا موازية، بل بوصفه مرحلة سابقة في “سلم التطور” أو نموذجًا ناقصًا من الإنسان أو مخزونًا رمزيًا يعاد تشكيله لخدمة السردية المركزية. وهذا ليس موقفًا ثقافيًا عابرًا، بل تجلٍّ واضح لانفصام الوعي بعد التحويلة الميتابايولوجية. فالميتابايولوجيا تؤكد أن أي عقل ينفصل عن المعنى والغائية محكوم عليه بإنتاج فراغٍ داخلي، مهما بلغت قوته التقنية. وما يعيشه الغرب اليوم من قلق وجودي واكتئاب جماعي وفقدان المعنى، ليس أزمة حضارية عابرة، بل نتيجة حتمية لعقلٍ بلغ أقصى درجات السيطرة وفقد أدنى درجات الحكمة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن العقل الغربي المعاصر ليس خطأً في التفكير، بل عرضٌ متقدّم لمرضٍ قديم بدأ مع التحويلة التطورية الأولى للإنسان. إنه عقلٌ تضخمت فيه الذات فانفصل فيه العقل عن الغاية وتحولت فيه المعرفة إلى أداة واستُبدلت فيه الأسطورة العضوية بأسطورة علمية قسرية. وبهذا المعنى، فإن نقد العقل الغربي ليس صراعًا حضاريًا، بل محاولة لفهم مصير الإنسان المختل بعد التحويلة، أيًا كان موضعه الجغرافي أو الثقافي.

أضف تعليق