بين منطق الجغرافيا وهواجس الروح… قراءة في أنماط التنبؤ البشري

لطالما سعت البشرية لفك شفرات المستقبل، وتراوحت هذه المساعي بين طريقين متوازيين لم يلتقيا قط؛ طريق العقل الذي يقرأ الشواهد ويستنبط النتائج، وطريق الرؤيا الذي يتلقى إشارات غامضة تتجاوز حدود الزمن. فعلى سبيل المثال، وقبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، تجلى هذان النمطان في أقصى صورهما عبر شخصيتين استثنائيتين: الأدميرال الأمريكي ألفرد ماهان، وعالم النفس السويسري كارل يونغ.
يمثل الأدميرال ألفرد ماهان ذروة “التنبؤ العقلي”. لم تكن توقعاته نابعة من حدس مفاجئ، بل كانت نتيجة “تشريح” دقيق لموازين القوى العالمية. استند ماهان في تنبؤه بوقوع الحرب العالمية إلى قاعدة الضرورة الجيوسياسية. فقد آمن بأن السيادة العالمية مرتبطة بـ “القوة البحرية”. ومن خلال دراسة التاريخ الإنجليزي والنمو الألماني المتصاعد، أدرك ماهان أن الصدام حتمي؛ لأن ألمانيا الطامحة لن تجد متنفساً لها سوى بكسر الهيمنة البريطانية على البحار. فالمنهج الذي اتبعه ماهان قائمٌ على أساس من الربط بين الجغرافيا والاقتصاد العسكري. أما الأدوات التي استعان بها فتشمل مهارة الاستنباط وخبرة التاريخ وتحليل المصالح القومية. ولقد خلُص ماهان بعدها الى استنتاج منطقي مفاده أن الانفجار القادم هو مسألة وقت، تحدده “حسابات القوة” لا “الصدفة”.
على الضفة الأخرى، نجد نمطاً لا يخضع لأي مختبر أو منطق رياضي، وهو ما اختبره كارل يونغ. في عام 1913؛ حيث بدأت تجتاح يونغ سلسلة من الرؤى المروعة التي لم يجد لها تفسيراً عقلانياً حينها. فيونغ رأى في منامه ويقظته سيولاً من الدماء تغمر القارة الأوروبية، وجثثاً تطفو فوق الأمواج، ومدناً تتحول إلى رماد. لم تكن هناك معطيات سياسية في ذهن يونغ آنذاك توحي بهذا الدمار، بل كانت “هجمة” من الصور القادمة من مصدر مجهول كلياً. لقد تسببت هذه “الرؤى” في صدمة نفسية تحولت إلى واقع ملموس بعد أشهر قليلة، مما جعل عقل يونغ يقف عاجزاً عن فهم كيفية حدوث هذه الظاهرة غير المنطقية.
إن المقارنة بين ماهان ويونغ تضعنا أمام حقيقة محيرة:
1. ماهان رأى الحرب عبر “العدسات المكبرة”؛ رأى السفن، والخنادق، وطرق التجارة.
2. يونغ رأى الحرب عبر “مرآة” غير عقلية إنعكست عنها صور قادمة من مستقبل لم يرَ النور بعد.
فإذا كان نمط ماهان يطمئن عقولنا لأنه يتبع قواعد “السبب والنتيجة”، فإن نمط يونغ يربكنا لأنه يثبت وجود قنوات اتصال خفية بين الوعي البشري والقدر المحتوم، قنوات تعجز الفيزياء والسياسة عن تفسير آليتها.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أننا أمام نمطين من الإبصار: أحدهما يحدق في الأفق (ماهان)، والآخر يحدق في “المجهول” (يونغ). وكلاهما يثبت أن الحاضر ليس سوى غلاف رقيق لمستقبلٍ بدأت ملامحه تتشكل سلفاً، سواء في غرف الأركان العسكرية أو في دهاليز “المجاهيل غير البشرية”. فنحن مضطرون إذاً الى وجوب الإقرار بأن العقل البشري، رغم عظمته، ليس هو النافذة الوحيدة التي نطل منها على المستقبل.

أضف تعليق