
يخطئُ مَن يظنُّ أنَّ الصراعَ الدائرَ في أوكرانيا، منذ 24 فبراير 2022 وحتى يومنا هذا، طرفاه الوحيدان هما روسيا وأوكرانيا. فلقد أثبتت الأيام، وبما لا يدع مجالاً للشك، أنَّ هنالك قوى متوارية من وراء الواجهة التي تمثلها أوكرانيا، وأنَّ هذه القوى لها أجندةٌ خاصة تتمثل في إلحاقِ هزيمةٍ استراتيجيةٍ بالاتحادِ الروسي، وأنها لن تألوَ جهداً لتحقيقِ أهدافِها التي لا تقتصر على وقفِ هذا الصراع والحيلولةِ دون امتدادِه ليطالَ أراضٍ أخرى داخل الجغرافيا الأوكرانية. فقياداتُ الغربِ الجماعي قد وضعت نصبَ أعيُنِها أهدافاً أخرى إضافةً إلى تلك المعلَنةِ منها. ولأن تحقُّقَ هذه الأهداف، وفقاً للمأمولِ الأوروبي، سوف يفضي لا محالة إلى تفكك الاتحادِ الروسي، وذلك وفقاً لذاتِ السيناريو الذي أدى إلى انهيارِ الاتحادِ السوفيتي وتفككه من قبل، فإنَّ الوقوفَ بحزمٍ في وجهِ هذه الأهداف هو في حقيقتِه الموقفُ الصائب وردُّ الفعل المناسب الذي يمنع انفراطَ عقد الاتحادِ الروسي، الأمرُ الذي إن حدث فإنه سيتمخض عن جملةٍ من الصراعات بين شعوب وقوميات هذا الاتحاد، والتي هي عبارة عما يقرب من 190 شعباً وقومية.
إنَّ العالَمَ اليوم في غِنىً عن اندلاعِ حروبٍ جديدة تأتي على الأخضرِ واليابس وتستهلك من الموارد ما قد يعجِّل بامتدادِ الشرور لمناطقَ أخرى خارج الجغرافيا الأوراسية، وبما ينذر بعقودٍ قادمة من الاضطرابات والقلاقل والفِتَن وحملاتِ الإبادةِ المتبادَلة. وهذا سيناريو لا يستطيع أحدٌ، مهما بلغت قدرتُه الاستراتيجية على تحليلِ الأنماط وصياغةِ الاحتمالات، أن يتنبأ بما ستؤولُ إليه الأمور. لذلك، فإنَّ الاحتكامَ إلى مبدأ المفاضلةِ بين الشرَّين أيهما أهون هو عينُ المنطق وتمامُ التفكير السليم.
إنَّنا نقفُ اليوم عند مفترقِ طرق تاريخي يوجبُ علينا أن تنطويَ خياراتُنا على ما فيه خيرُ الصالح العام، وبما يكفل للعالَم ألا يدفعَ ثمنَ حماقاتِ ساسةٍ لم يتعلموا شيئاً من دروسِ التاريخ، ولم يعوا الحقيقةَ التي مفادها أنَّ إيقادَ نارِ الحرب لا يحتاج إلا إلى كلمةٍ حمقاء، أو جرةِ قلمٍ يحركها من غلبَت عليه شِقوتُه فحالت دون أن ينظرَ إلى النتائج المرتقبة نظرةَ عاقلٍ حصيفٍ بعقلٍ متفكِّرٍ متدبر.
