نقد العقل الغربي المعاصر… من وهم الكونية إلى مأزق الهيمنة المعرفية

لم يعد العقل الغربي المعاصر عقلًا باحثًا عن الحقيقة بقدر ما غدا عقلًا منتجًا للسرديات؛ سردياتٍ تزعم الكونية والحياد، بينما تُخفي في بنيتها العميقة تاريخًا طويلًا من الهيمنة وإعادة تشكيل العالم وفق مركزيةٍ أوروبية صارمة. فهذا العقل، الذي قدّم نفسه بوصفه وريث العقلانية والأنوار، لم يتحرر فعليًا من منطق السيطرة، بل أعاد إنتاجه في صورة أكثر تعقيدًا وأشد مراوغة. فأخطر ما يميّز العقل الغربي المعاصر هو ادعاؤه تمثيل العقل الإنساني الكوني. فهو لا يقدّم رؤيته بوصفها رؤيةً ثقافيةً مخصوصة، بل باعتبارها المعيار الذي تُقاس به بقية العقول والثقافات. وبذلك تتحول الخصوصية الغربية إلى “طبيعة بشرية عامة”، ويُختزل الآخر في موقع الانحراف أو التأخر أو البدائية. فلقد تحوّل العقل في النسخة الغربية المعاصرة من أداةٍ لفهم الوجود إلى أداةٍ لإدارته والتحكم به. فالعلم لم يعد بحثًا عن المعنى، بل صار تقنيةً للضبط والإحصاء والتصنيف والتنبؤ. وهذا ما يفسر كيف أُعيد تشكيل الإنسان نفسه بوصفه “موردًا” و”رقمًا” و”حالةً نفسية” و”نمط سلوك”، بدل كونه كائنًا وجوديًا مركّبًا.
يدّعي العقل الغربي أنه قد تجاوز الأسطورة، لكنه في الواقع قد قام بإنتاج أسطورته الخاصة: أسطورة العلم الخالي من القيم والمعرفة المنفصلة عن السلطة والبحث النزيه الذي لا تحكمه مصالح. بينما يكشف التاريخ القريب أن كثيرًا من العلوم الإنسانية والأنثروبولوجيا وحتى البيولوجيا، قد استُخدمت لتبرير: الاستعمار والعنصرية والتفوق العرقي وإقصاء الآخر ثقافيًا ورمزيًا.
العقل الغربي المعاصر يعاني من فقر روحي بنيوي. فباسم العقلانية، جُرّد العالم من رمزيته والإنسان من عمقه والوجود من غايته. وما نعيشه اليوم من قلق وجودي وفراغ معنوي واكتئاب جماعي، ليس عارضًا نفسيًا، بل نتيجة مباشرة لعقلٍ أصرّ على تفسير كل شيء دون أن يمنح أي شيء معنى. فالعقل الغربي لم ينظر إلى الآخر بوصفه ذاتًا عارفة، بل بوصفه مادةً للدراسة وموضوعًا للتشريح وحقلًا للتجارب. فأعاد كتابة تاريخ الشعوب وأساطيرها وأديانها وأنماط تفكيرها، من موقع المراقِب المتفوّق، لا من موقع الشريك المعرفي. وهنا تكمن الجريمة المعرفية الأعمق: مصادرة حق الآخر في تفسير ذاته بنفسه.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن مأزق العقل الغربي المعاصر لا يكمن في قوته، بل في غروره المعرفي. فهو عقل نجح في السيطرة على الطبيعة، لكنه فشل في فهم الإنسان؛ عقل فكّك العالم، لكنه عجز عن إعادة تركيبه معنويًا؛ عقل أطاح بالأساطير القديمة، ليقيم مكانها أساطير أكثر قسوة، لأنها ترتدي قناع العلم والعقل.

أضف تعليق