الحلقة المفقودة في أطروحة هانا آرنت حول “بشرية الشر”

لا شك أن هانا آرنت قد حققت اختراقاً فلسفياً حين نزعت الهالة الميتافيزيقية عن الشر، وأعادته إلى حجمه البشري “التافه” والمتمثل في تعطل الوعي. لكن، وبقدر ما أصابت آرنت في حصر الشر في “المجال البشري”، إلا أنها وقعت في “قصور تفسيري” جسيم؛ إذ تعاملت مع هذا الشر كـ “عرض جانبي” للسياسة والبيروقراطية، متجاهلةً التساؤل الأعمق: ما الذي جعل الإنسان -هذا الكائن المنحدر من أصول حيوانية- يشذ عن “براءة الطبيعة” ليصبح الكائن الوحيد القادر على ابتكار القبح الأخلاقي؟
أدركت آرنت أن الشر “منتج بشري”، لكنها لم تلتفت إلى أن هذا المنتج هو في حقيقته “تمرد” على القوانين الناظمة للوجود الكوني:
• الحياد الحيواني: في عالم الطبيعة، لا يوجد شر؛ بل توجد “ضرورة”. الحيوان لا “يخطئ” لأنه يتبع غريزته التي هي جزء من توازن الكون.
• الخروج السافر: الإنسان، وبحسب نقدنا لآرنت، هو الكائن الذي “خان” أصله الحيواني. لقد خرج الإنسان على الطبيعة خروجاً سافراً، وهذا “الشذوذ” هو الذي ولد المساحة التي نطلق عليها “الشر”. لقد غاب عن آرنت أن الشر ليس مجرد “عدم تفكير”، بل هو “ضريبة” ذلك الانفصال الجذري للإنسان عن فطرته البيولوجية والكونية.
ففي كتابها “الوضع البشري”، ركزت آرنت على مستويات النشاط (كدح، عمل، فعل)، لكنها تعاملت مع “الفعل” (Action) كخاصية إنسانية مكتملة النمو، دون أن تشخص العلة من وراء هذا الجنوح غير الطبيعي الذي يرافق الفعل البشري:
1. الفعل كأداة للشر: إذا كان الفعل هو ما يميزنا كبشر، فلماذا يتجه هذا الفعل نحو تدمير الوجود أحياناً؟
2. إهمال “العلة التأسيسية”: لم تتساءل آرنت: كيف تطور هذا الوعي البشري ليصبح قادراً على صياغة مفاهيم “الإيذاء المتعمد”؟ إنها رأت “الشر” كفشل في ممارسة الإنسانية، بينما هو في الحقيقة نتاج لـ “طفرة” جعلت الإنسان كائناً خارجاً على الطبيعة في كثير من تجلياته.
إن القصور في مقاربة آرنت يكمن في أنها لم ترَ في الشر “أزمة تطورية”. فالإنسان ليس مجرد كائن سياسي فشل في التفكير، بل هو كائن “منشق” على النظام الكوني الصارم:
• التفرد بالشر: بينما تتوحد الكائنات مع قوانين الكون، يقف الإنسان وحيداً كصانع لـ “اللانظام”.
• قصور التشخيص: آرنت شخصت “الشر” كمظهر اجتماعي وبيروقراطي، لكنها لم تغص في “الجرح الأنطولوجي” (الوجودي) الذي أحدثه الإنسان بخروجه على أصله الحيواني. هذا الخروج هو الذي جعل من الشر ممكناً؛ فلولا هذا الانفصال عن “الغريزة البريئة”، لما وُجدت الإرادة القادرة على صناعة القبح.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ما نحتاجه اليوم هو إكمال ما بدأته آرنت؛ ليس فقط بحصر الشر في الإنسان، بل بالاعتراف بأن هذا الشر هو الثمن الباهظ لـ “شذوذنا” عن الطبيعة. إن الشر هو البرهان الصارخ على أننا كائنات لم تعد تنتمي كلياً للنظام الكوني، بل كائنات صنعت “عالمها الخاص” الذي يمتلك القدرة على التدمير بنفس قدرته على البناء. إن قصور آرنت كان في رؤيتها للشر كـ “فراغ”، بينما هو في الحقيقة “صدع” عميق بين الإنسان وأصله الحيواني الأول.

أضف تعليق