
على مدار قرون، صاغت الفلسفة واللاهوت القروسطي تصوراً للشر باعتباره “جوهرًا ميتافيزيقيًا” يسكن في صميم الوجود، أو كقوة ظلامية موازية لقوى النور في معركة كونية أزلية. إلا أن هذا التصور لم يكن سوى نتاج لقصور معرفي، حيث تم إسقاط التجربة البشرية المحدودة على رحابة الكون. تأتي هذه المقالة لتقلب هذه المعادلة، مؤكدةً مقاربة الفيلسوفة الألمانية هانا آرنت، لتبرهن على أن الشر ليس حتمية كونية ولا ظاهرة طبيعية، بل هو “منتج بشري” حصري، لا يتواجد إلا حيث توجد الإرادة والوعي البشريين.
إن الخطأ التأسيسي في تاريخ الفكر هو تعميم مفهوم الشر ليشمل الوجود بأكمله. لقد اعتقد الإنسان أن معاييره الأخلاقية هي مسطرة الكون، فالطبيعة والحياد الأخلاقي: عندما يثور بركان أو تضرب عاصفة، نطلق عليها “شراً”، بينما هي في الحقيقة عمليات فيزيائية محكومة بضرورات الطبيعة. فالطبيعة لا تملك “قصداً”، وبالتالي لا يمكن وصف فعلها بالشر.
إن جعل الشر مقابلاً موضوعياً للخير قد خلق منظومات فكرية تقوم على “التصارع الوجودي”، مما تسبب في أخطاء معرفية جعلت الإنسان يرى نفسه ضحية لقوى خارجية، بدلاً من كونه المصدر الوحيد لهذا القبح الأخلاقي.
ففي لحظة فارقة من تاريخ الفلسفة المعاصرة، قامت هانا آرنت بنزع السحر عن مفهوم الشر، وذلك من خلال مراقبتها لمحاكمة “آدولف آيخمان”، حيث صدمت العالم بمفهومها “تفاهة الشر (Banality of Evil) :
1. الشر كـ “سطحية” وليس “جذراً”: عكس ما كان يُعتقد بأن الشر يمتلك جذوراً شيطانية عميقة، رأت آرنت أن الشر “تافه”؛ بمعنى أنه يسكن السطح وينمو كالفطر في الفراغ الذي يتركه غياب التفكير.
2. اغتيال “الشيطان الميتافيزيقي”: إن “آيخمان” لم يكن تجسيداً لقوة كونية شريرة، بل كان موظفاً مطيعاً، عجز عن التفكير من وجهة نظر الآخرين. هذا يثبت أن الشر ليس “جوهرًا” موجوداً في الكون، بل هو “إخفاق بشري” في ممارسة الوعي.
في كتابها العمدة “الوضع البشري”، فرقت آرنت بين مستويات النشاط البشري. ومن هنا يمكننا استنباط انتفاء الحاجة للشر الكوني:
• الكدح والعمل (Labor & Work): هي أنشطة بيولوجية ومادية نتشارك فيها مع بقية الكائنات أو نُخضع بها الطبيعة.
• الفعل (Action): هو المجال الوحيد الذي يظهر فيه “الخير” و”الشر”. فالفعل يتطلب إرادة وحرية وحضوراً في المجال العام. بما أن الكون (الجماد والحيوان) يفتقر لخاصية “الفعل” بالمعنى الآرنتي، فإنه بالضرورة يفتقر للشر. فالشر هو “فراغ” يحدث عندما يتخلى الإنسان عن “فعله” وحريته لصالح الآلية والتبعية.
إن حصر الشر في النطاق البشري ليس تقليلاً من خطورته، بل هو استعادة للمسؤولية. عندما ندرك أن الشر لا يسكن النجوم ولا الأقدار سنتوقف عن إلقاء اللوم على “قوى غيبية” أو “ضرورات كونية” وندرك أن علاج الشر ليس بالتوسل للقوى الكونية، بل بـ “إعادة إحياء العقل النقدي” والالتزام بكرامة “الفعل البشري” ونتصالح مع الكون كفضاء محايد وجميل، لا يحمل لنا ضغينة ولا يدبر لنا مكائد.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الدعوة إلى إعادة صياغة نظرتنا للشر باعتباره “منتجاً بشرياً” خالصاً هي دعوة للنضج المعرفي. لقد آن الأوان لتحرير الفلسفة من جلباب الميتافيزيقا القديمة التي جعلت من الشر نداً للخير في صراع كوني وهمي. فالحقيقة التي كشفتها آرنت وتدعمها الرؤية التي تتبناها هذه المقالة هي أن الشر لا يتواجد إلا حيث يوجد الإنسان؛ إنه ظلنا الذي نلقيه على العالم، وبيدنا وحدنا أن نضيء الوعي لنبدد هذا الظل.
