التأثيل والاتزان الإنساني… مقاربة تأثيلية نقدية في أصول Sane و Sound و Sanité في ضوء الجذر العربي “صان”

يُنظر إلى التأثيل اللغوي، في الدراسات اللسانية السائدة، بوصفه علمًا تاريخيًا صارمًا يخضع لقوانين صوتية ومعايير توثيقية دقيقة. غير أن هذا التصور، على صلابته الظاهرية، لا يخلو من افتراضاتٍ إبستمولوجية مسبقة، في مقدمتها حصر مسارات الاشتقاق ضمن العائلة الهندو–أوروبية، واستبعاد إمكان التأثير العكسي أو التداخل الحضاري العميق مع اللغات السامية، وعلى رأسها العربية. تنطلق هذه المقالة من فرضية تأثيلية بديلة، لا تدّعي القطع، بل تقترح إعادة طرح السؤال حول أصول بعض المفاهيم المركزية المرتبطة بالسلامة والاتزان الإنساني، وذلك كما يلي:

الجذر العربي للكلمة Sane
تفترض المقاربة التقليدية أن الكلمة الإنجليزية sane تعود إلى اللاتينية sanus بمعنى “سليم” أو “معافى”. غير أن هذا التأثيل، وإن كان متماسكًا داخليًا، يظل ناقصًا من حيث تفسير الجذر الدلالي العميق للكلمة. تقترح هذه المقالة فرضية بديلة مفادها أن sane يمكن ردّها، على مستوى الأصل المفهومي–الصوتي، إلى الجذر العربي صانَ – يصون – صون، الذي يدل على الحفظ والوقاية والحماية من التلف والاختلال. وهذه الدلالة لا تصف “الصحة” بوصفها حالة طبية فحسب، بل تصف فعل المحافظة على السلامة، أي سلامة الجسد والعقل معًا. فالإنسان “السوي” ليس فقط من خلا عقله من المرض، بل من صينت بنيته من التفكك. وهذا المعنى الحِفظي الوقائي أعمق من مجرد “غياب الجنون”، وهو ما يجعل الجذر العربي أكثر تفسيرًا لمجال sanity الوجودي.

الجذر العربي للكلمة الإنجليزية Sound
تُظهر كلمة sound ازدواجًا دلاليًا معروفًا في الإنجليزية:
1. Sound بمعنى “سليم، متين، موثوق”
2. Sound بمعنى “الصوت”
1. Sound بمعنى السلامة: إذا أُخذ المعنى الأول، فإن فرضية الاشتقاق من الجذر العربي صون تصبح ممكنة على المستوى المفهومي، إذ تشير الكلمة إلى التماسك والسلامة البنيوية والاعتماد والموثوقية. وهي كلها امتدادات طبيعية لفعل “الصون” لا لمجرد الوصف الوظيفي.
2. Sound بمعنى الصوت: أما إذا كان المقصود هو الصوت، فتُطرح فرضية أخرى، مفادها أن الكلمة قد تكون على صلة بالجذر العربي صوت، مع تحولات صوتية محتملة، مثل:
• إضافة حرف النون (n) كعنصر بنيوي شائع في التحولات اللغوية،
• وتحوّل التاء المفخمة أو المهموسة إلى حرف جهوري (d)، وهو تحول معروف في مسارات لغوية متعددة.
لا تُقدَّم هذه القراءة بوصفها حسمًا اشتقاقيًا، بل بوصفها احتمالًا مهملًا في الدراسات الغربية.

الجذر العربي للكلمة الفرنسية Sanité / Sanity
الكلمة الفرنسية sanité، وكذلك الإنجليزية sanity، تُعاد عادة إلى sanitas اللاتينية. غير أن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: من أين جاءت فكرة السلامة أصلًا؟
تقترح هذه المقالة قراءة ترى أن الجذر العربي صون لا يفسّر اللفظ فقط، بل يفسّر المنطق المفهومي للكلمة: فالصحة العقلية ليست حالة ذهنية مجردة، بل عملية حفظ توازن داخلي ومنع التفكك. وهذا المعنى ينسجم مع التصور الأنثروبولوجي القديم للصحة، قبل أن تُختزل في معايير طبية وإجرائية.
تكشف هذه المقارنة التأثيلية عن إشكال أعمق من مجرد أصل كلمة. فهي تُظهر أن المقاربة الهندو–أوروبية السائدة تميل إلى إغلاق الدائرة الاشتقاقية داخل ذاتها، وتفترض مركزية “آرية” للمعنى وتتعامل مع العربية بوصفها لغة لاحقة أو معزولة، لا مصدراً مفهوميًا. غير أن التاريخ الحضاري واللغوي لمنطقة شبه الجزيرة العربية، والتداخل العميق بين اللغة العربية واللغات الأوروبية المبكرة، يفرضان إعادة النظر في هذا الانغلاق المنهجي.
والآن، فمن منظور ميتابايولوجي، لا تكشف هذه الفرضيات عن مسارات لغوية فحسب، بل عن تصور مفقود للإنسان: إنساناً كانت السلامة فيه تعني الوقاية من الاختلال، لا مجرد القدرة على العمل رغمه. وإنساناً كان العقل فيه قوة صون وتنظيم، لا أداة تبرير لاحقة. وبذلك تصبح اللغة شاهدًا على تحوّل بنيوي في فهم الإنسان لذاته، لا مجرد أداة تواصل.
لا تدّعي هذه المقالة تقديم حسم تأثيلي نهائي، لكنها تدعو إلى تحرير السؤال اللغوي من أسره الأيديولوجي، وفتح المجال أمام مقاربات بديلة ترى في العربية لغة مساهمة في تشكيل المفاهيم الإنسانية الكبرى، لا مجرد متلقٍّ لها.
فالتأثيل هو في جوهره، ليس بحثًا في الكلمات فقط، بل بحثًا في كيف فهم الإنسان السلامة والعقل والاتزان عبر التاريخ.

أضف تعليق