العلم بين الحقيقة والافتراض… مقاربة نقدية في حدود المعرفة العلمية

يُقدَّم العلم، في الوعي المعاصر السائد بوصفه منظومة معرفية محايدة قائمة على حقائق يقينية، ويُنظر إلى نتائجه على أنها تعبير مباشر عن الواقع كما هو، لا كما يُتصوَّر. ويقوم هذا التصور على افتراضٍ ضمني مفاده أن كل ما يُصنَّف علمًا قد اجتاز بالضرورة اختبارات موضوعية صارمة تضمن له الصدقية وتحصّنه من الخطأ. غير أن هذا الفهم، على شيوعه، يختزل طبيعة العلم اختزالًا مخلًا ويتجاهل بنيته البشرية والتاريخية المعقّدة.
تكشف دراسة تاريخ العلم، إلى جانب الأدبيات المعاصرة في فلسفة العلم ودراسات المعرفة، أن العلم ليس مسارًا خطيًا لتراكم الحقائق، بل ممارسة بشرية مشروطة بسياقات نفسية واجتماعية وثقافية، تتداخل فيها الرؤى المسبقة والانحيازات المعرفية والرهانات المؤسسية. فالعالِم، مهما بلغ من الدقة والتخصص، لا ينفصل عن كونه فاعلًا إنسانيًا، يصيب ويخطئ، ويعمل ضمن أطر نظرية قد يتبيّن لاحقًا قصورها أو محدوديتها. ومن ثم، فإن التقدم العلمي لا يتحقق فقط عبر إضافة “حقائق” جديدة، بل عبر مراجعة مستمرة للنماذج التفسيرية التي تنتج هذه الحقائق وتؤطرها.
كما ولا يهدف هذا الطرح إلى التقليل من القيمة المعرفية للعلم أو إنكار إنجازاته الكبرى، والتي مكّنت الإنسان من فهم الكون بدرجة غير مسبوقة، وأسهمت في تحسين شروط الحياة الإنسانية على المستويات التقنية والطبية والمعيشية. غير أن الإقرار بهذه النجاحات لا ينبغي أن يحجب جانبًا بنيويًا في الممارسة العلمية نفسها، يتمثل في اعتمادها، ولا سيما في مستوياتها النظرية العليا، على افتراضات ونماذج تفسيرية تؤدي وظيفة معرفية ونفسية في آن واحد.
فكما شكّلت الأسطورة، في المجتمعات البشرية الأولى، إطارًا تفسيريًا يمنح العالم انتظامًا ومعنى، ويخفف من وطأة المجهول والقلق الوجودي، فإن العلم الحديث، رغم اختلاف أدواته ومنهجه، لم يتحرر كليًا من هذه الحاجة الإنسانية العميقة. بل يمكن القول إن بعض النظريات العلمية المعاصرة تؤدي دورًا وظيفيًا مشابهًا، إذ توفر للباحثين ما يمكن تسميته بـ”الأمان المعرفي”، أي الإحساس بوجود نظام تفسيري متماسك، حتى في ظل غياب تحقق تجريبي مباشر لبعض مكوناته.
ويتجلى هذا بوضوح في الفيزياء النظرية المعاصرة، حيث تقوم نماذج مركزية على افتراض كيانات أو بُنى لا تزال خارج نطاق الرصد التجريبي المباشر، مثل المادة المظلمة والطاقة المظلمة، أو على تصورات شديدة التجريد كالأوتار الفائقة والأكوان المتعددة. ورغم ما تتمتع به هذه النماذج من قوة رياضية وقدرة تفسيرية داخل أطرها الخاصة، فإنها تثير تساؤلات مشروعة حول الحدود الفاصلة بين التفسير العلمي القابل للاختبار، والافتراض الميتافيزيقي الذي لم يتجاوز بعد مستوى البناء النظري. ولا يعني توصيف هذه النماذج بوصفها “بنى افتراضية” أو “أساطير علمية معاصرة” المساواة بينها وبين الخرافة أو إنكار طابعها العلمي، بل الإشارة إلى وظيفتها البنيوية داخل النسق المعرفي. فهي ليست أساطير بالمعنى البدائي، وإنما فرضيات معلّقة الوجود، تُستخدم لتنظيم المعرفة وتوجيه البحث والحفاظ على استمرارية المشروع العلمي في مواجهة مناطق الفراغ والتعذر المعرفي.
من هذا المنظور، يصبح من غير الدقيق الحكم على أنماط التفكير السابقة بوصفها بدائية أو غير عقلانية لمجرد اعتمادها على الأنساق الأسطورية. فالفارق الجوهري بين الأسطورة القديمة والنموذج العلمي الحديث لا يكمن في غياب العقل أو حضوره، بل في الأدوات التعبيرية والمنهجية التي صيغ بها السعي الإنساني إلى الفهم. فالإنسان، في مختلف مراحله التاريخية، لم يتوقف عن بناء نماذج تفسيرية يتوسل بها إلى احتواء المجهول، وإن اختلفت لغاتها بين الرمز والأسطورة من جهة، والمعادلة والنموذج الرياضي من جهة أخرى.
وعليه، لا يمكن فهم العلم بوصفه قطيعةً تامة مع الأسطورة، بل بوصفه إعادة إنتاج عقلانية لها ضمن أطر أكثر تجريدًا وتعقيدًا. إن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يُضعف العلم، بل يحرره من ادعاء العصمة، ويفتح المجال أمام ممارسة علمية أكثر تواضعًا ووعيًا بحدودها، وأكثر قدرة على التفريق بين ما هو مُتحقّق تجريبيًا، وما هو افتراضي وظيفي، وما هو تأويل فلسفي يتجاوز المعطى العلمي ذاته.

أضف تعليق