في مركزية الشجرة… دفاع ميتابايولوجي عن ضرورة العودة إلى لحظة الانعطاف الأولى

قد يُؤخذ على المقاربة الميتابايولوجية إلحاحُها المتكرر على مسألة الشجرة التي أكل منها أبو البشر آدم، ويُنظر إلى هذا الإلحاح بوصفه تكرارًا لا موجب له، أو إعادةً لواقعةٍ قصصيةٍ استُهلكت تفسيرًا وتأويلًا. غير أن هذا الاعتراض، في جوهره، يكشف عن سوء تقدير لطبيعة الدور البنيوي الذي تؤديه هذه الحادثة في فهم الإنسان كما هو، لا كما يُتوهَّم أنه كان.
فالميتابايولوجيا لا تتعامل مع الشجرة بوصفها عنصرًا سرديًا، ولا بوصفها رمزًا أخلاقيًا مجرّدًا، بل باعتبارها نقطة انعطاف وجودية أحدثت اختلالًا نوعيًا في البنية النفسية والعصبية والأنثروبولوجية للإنسان. إنها ليست حادثة داخل التاريخ، بل الشرط المؤسِّس للتاريخ الإنساني ذاته. ومن ثمّ، فإن العودة إليها ليست تكرارًا، بل إعادة فحص للأساس الذي بُني عليه كل ما تلا.
إن كل مقاربة تتجاوز الشجرة دون أن تستوفي دلالاتها البنيوية، إنما تبني تفسيرها للإنسان على أرضية غير مُحكَمة. فالإنسان بعد الأكل من الشجرة ليس هو الإنسان قبلها، لا من حيث الوعي، ولا من حيث الإرادة، ولا من حيث العلاقة مع الذات والعالَم والله. لقد أنتجت تلك اللحظة تحويلة ميتابايولوجية أولى، لم تُفضِ إلى “حيوانٍ أذكى”، بل إلى كائنٍ مأزوم: مفرط الوعي بذاته مزدوج الإرادة قابل للتمرّد ومشدود إلى صراع داخلي دائم بين ما يُدركه وما يريده.
ومن هنا، فإن تكرار تناول الشجرة في سياقات متعددة ليس تكرارًا دلاليًا، بل تنويعٌ في زاوية الرؤية، يفرضه تعقّد الأثر الذي خلّفته تلك الحادثة. فهي تظهر مرة بوصفها أصل التوتر بين العقل والغريزة، ومرة بوصفها منشأ الانقسام بين الإرادة والمعرفة، ومرة بوصفها الجذر العميق لفكرة التكليف، ومرة بوصفها اللحظة التي انكسر فيها الانسجام التلقائي بين الإنسان والقوانين التي بثها الله في الكون.
وليس هذا المنهج بدعًا من القول، بل هو من صميم المنهج القرآني ذاته، الذي كرّر عرض القضايا المفصلية لا لأن المرة الأولى لم تكن كافية، بل لأن الحقيقة العميقة لا تُستنفد في مقامٍ واحد. فالتكرار هنا ليس إعادة، بل كشفٌ تدريجي وانتقالٌ من مستوى الفهم السطحي إلى مستوى البنية.
إن الميتابايولوجيا، إذ تُصرّ على مركزية الشجرة، فإنها لا تفعل ذلك بدافع هوسٍ تأويلي، بل انطلاقًا من قناعة معرفية مفادها أن كل اختلال لاحق في التاريخ الإنساني هو صدى لذلك الاختلال الأول. ومن لم يفهم الشجرة، لن يفهم الإنسان؛ ومن استعجل تجاوزها، فقد تجاوز السؤال بدل أن يجيب عنه. إن كل اعتراضٍ على تكرار الشجرة هو في حقيقته اعتراضٌ على الاعتراف بوجود قطيعة بنيوية في نشأة الإنسان. والميتابايولوجيا لا ترى في هذه القطيعة خيارًا تأويليًا، بل ضرورة تفسيرية.

أضف تعليق