
المنظَرون” في القرآنِ العظيم طائفتان اثنتان لا ثالثَ لهما؛ الطائفةُ الأولى هم أولئك الذين قضى اللهُ تعالى أن يبقوا أحياءَ في هذا العالَم، وفي تلك الأبعاد منه التي يتعذر على البشرِ أن يحيطوا بها عِلماً أو وعياً إلا بإذن الله. ولقد نبأنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم ببعضٍ ممن اصطفاهم من خلقِه فجعلهم “مُنظَرين” إلى يومِ القيامة.
1- (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) (8 سورة الحِجر).
2- (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِين) (14- 15 الأعراف).
فالملائكةُ إذاً جعلهم اللهُ تعالى “مُنظَرين” إلى يوم القيامة، وذلك بسببٍ من طبيعةِ خِلقتِهم الملائكية التي كان من بين خصائِصها الوجودية ما كفلَ لهم أن يكونوا أهلاً لهذا الإنظار. وإبليس، وبسببٍ من طبيعةِ خِلقتِه الجِنية، لم يكن مؤهلاً لهكذا إنظار، ولذلك فلقد سأل اللهَ تعالى، ومن بعد أن عصاه فأخرجه من الجنة، أن يُنظِرَه إلى يومِ القيامة حتى يتمكن من إغواءِ البشر جميعاً إلى يوم يُبعَثون.
أما الطائفة الثانية، فهم الذين أبقاهم اللهُ تعالى بمنأى عن أن يصيبَهم عذابُه الذي أنزله بساحةِ مَن قضى عليهم بهذا العذاب:
1- (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ. أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) (200- 204 الشعراء).
2- (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ. فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِين) (28- 29 الدخان).
فالظالمون سألوا اللهَ تعالى أن يُنظِرَهم فيُبقيَهم على قيدِ الحياة حتى يتوفاهم الموت. فعذاب الله إذا ما باغتَ القومَ الظالمين، فجاءهم فجأة، فإنه مهلكهم لا محالة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنَّ “الإنظار” في القرآنِ العظيم قد جاء بمعنَيين اثنين: الأول هو إنظارٌ مأجولٌ بيوم القيامة يكفل للمُنظَرين أن يبقوا أحياء حتى يأذنَ اللهُ بمجيء ذلك اليوم. أما المعنى الثاني، فهو إنظارٌ مأجولٌ بأجَلِ الموت. وهكذا، يتبين لنا مرةً أخرى، أنَّ الكلمةَ القرآنية لا تبوح بمعناها الحقيقي إلا بتدبُّرِها في سياقِها، وليس بمعناها القاموسي فحسب.
