
ما الذي يجعلُ التاريخَ الأمريكي، إذا ما قُرِأ بحيادٍ وموضوعية والتزامٍ صارمٍ ومنهجية، تكادُ صفحاتُه تقطرُ دماً غزيراً منذ بداياتِ الاستعمارِ الأوروبي لجغرافيا العالَمِ الجديد؟ وكيف نصدق أولئك الذين لا يريدوننا أن نقرأَ هذا التاريخ دون أن نربطَ بين وقائعِه وأحداثِه التي شكَّلت مفاصلَه المحورية الرئيسة؟ وكيف نبرر ما حدث لسكانِ أمريكا الأصليين من إبادةٍ جماعية، وتطهيرٍ عِرقي، وحصارٍ اقتصادي، وتجويعٍ منهجي، وترحيلٍ قسري، وتعذيي متواصلٍ استمر عقوداً دون توقف، وقتلٍ لعشراتِ الملايين من ثور البايسون الذي كان يمثل مصدرَ الرزق الرئيس لشعوبِ تلك الأرض التي أشاعَ المستعمرون أنها بلا شعب وأنهم ما جاؤوا إليها إلا إطاعةً لربِّهم الذي وعدَهم بها؟ أم كيف ننسى الحربَ الأهليةَ الأمريكية التي ما أوقدَ نارَها إلا جشعُ هؤلاء المستعمرين أنفسِهم تقاتلاً فيما بينهم على مواردِها ونتاجِ أرضِها؟ ولماذا نُطالَبُ بنسيانِ كلِّ ما تعرَّض له الأفارقةُ المستعبَدون في هذا “العالَم الجديد” من ظلمٍ واستغلالٍ وقتلٍ بأبشعِ الطرق على يد هؤلاء الذين كانوا يقرأون ليلَ نهار وصايا السيد المسيح؟ وهل كان تطبيقُ هذه الوصايا الجليلة يستدعي من العسكريتاريا الحاكمة في واشنطن كلَّ هذا الدمار الذي حاقَ بمدن اليابان المنسية، والتي أهلكتها نيرانُ آلةِ حربِهم قبل أن تُحرقَ هيروشيما وناغازاكي بالقنبلةِ الذرية؟ وهل ما حدث في كوريا إبان الحربِ الكورية، وفي فيتنام وكمبوديا، أمرٌ لا ينبغي أن يُدرجَ في سياقِ هذه الجرائم المتواصلة التي لم تدع ساحةَ نزاعٍ في العالَم إلا وخضَّبتها بدماءِ الأبرياء والفقراء والمساكين؟ وهل ما حدث فيما يسمونه “الشرق الأوسط” من حروبٍ لم تتوقف يوماً، سواء بالوكالة أم بالأصالة، هو أمرٌ لا رابطَ موضوعياً بينه وبين كل ما سبقه؟ ألا يذكرنا ما حدث اليوم من اختطافٍ لمادورو بما سبق وأن حدث لجيفارا؟ ولكن ما الذي يجعل التاريخَ الأمريكي على هذا القدر من العدوانيةِ المفرطة؟ وكيف يستطيع الرئيسُ الأمريكي أن يأمرَ جيشَه المغلوبَ على أمرِه بأن يقتلَ المئات من الأبرياء كلَّ يوم ثم يخرج عل الناس بوجهٍ تعلوه علائمُ البراءة والإشفاق على الأطفال الذين لم يحصلوا على هداياهم صبيحةَ عيدِ الميلاد المجيد؟!
ما تقدم هو غيضٌ يسير من فيضِ أسئلةٍ لا يملك الإجابةَ الحقيقيةَ عليها إلا القرآن الذي نبَّأنا بالعلةِ من وراءِ هذه العدوانية المفرطة والتوحش الإجرامي، وذلك في مواضعَ منه عديدة، منها: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق). فالرئيس الأمريكي هو إنسانٌ، بطبيعة الحال، فكيف لا يُتوقَّع أن يصدرَ عنه كلُّ هذا الذي يمت بِصلةٍ لما يصفُه القرآن بالطغيان؟ وكيف لا يكون هذا الرئيس طاغيةً وهو يرى إلى ما في يدَيه من جيشٍ جرار وأسلحةٍ لا يُشَقُّ لها غبار؟! إن أيَّ إنسان، إلا ما رحمَ ربي، تُتاح له هكذا فرصة لن يصدرَ عنه إلا ما صدرَ عن أيِّ رئيسٍ أمريكي أمرَ بشنِّ هذه الحربِ أو تلك من دون أن يرفَّ له جفن.
