
لا يأتي قول الله تعالى في الآية الكريمة 22 من سورة الكهف ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ في سياقٍ قصصيٍّ عابر، ولا بوصفها توجيهًا ظرفيًا متعلّقًا بأصحاب الكهف فحسب، بل تمثّل إعلانًا قرآنيًا صريحًا عن حدود المعرفة الإنسانية، وحدًّا فاصلًا بين ما يمكن للعقل البشري أن يدركه وما يتعذّر عليه إدراكه بحكم بنيته الخَلقية.
فالآية لا تنهى عن الجدال مطلقًا، وإنما تقيّده بقيدٍ معرفيٍّ صارم: أن يكون الجدل ظاهرًا، أي محصورًا في دائرة ما أُذِن للإنسان أن يعلمه، لا متجاوزًا إلى ما حُجب عنه علمه أصلًا. ينطلق هذا التوجيه من حقيقةٍ قرآنية مركزية مفادها أن التعذّر المعرفي ليس خللًا طارئًا في أدوات الإنسان المعرفية، بل سِمة بنيوية في تكوينه.
فالإنسان لم يُخلق كائنًا قادرًا على الإحاطة، بل كائنًا محدود الإحاطة محكومًا بأدوات إدراك حسّية وعقلية وزمنية. وهي أدوات صالحة لفهم الظاهر، لكنها عاجزة بطبيعتها عن اختراق الباطن والغيب. ومن هنا جاء توصيف القرآن للمعرفة البشرية توصيفًا دقيقًا: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فالظاهر ليس مرحلة أولى من المعرفة يمكن تجاوزها، بل هو السقف الأعلى الممكن للإنسان ما لم يأذن الله له بخلاف ذلك.
إن قصة أصحاب الكهف تمثّل نموذجًا مثاليًا للتعذّر المعرفي، وذلك لأنها حدثٌ تاريخي حقيقي وتفاصيله الجزئية غير لازمة للهداية ومُغيَّبة عمدًا عن الإدراك البشري. فالقرآن لم يسكت عن عددهم نسيانًا، بل حجب هذا العلم قصديًا ليحوّله من مادة معرفة إلى مادة اختبار معرفي: هل يقبل الإنسان أن يقف عند الحد؟ أم يسعى لتحويل الظن إلى يقين، والجهل إلى ادّعاء علم؟ بناءً على ذلك، فإن الأمر الإلهي: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ يمكن فهمه بوصفه ميثاقًا أخلاقيًا للمعرفة، لا توجيهًا حواريًا فحسب. فهو يفرض على الإنسان ألا يتكلم إلا ضمن حدود المعلوم وألا يكسو الغيب لباس البرهان وألا يحوّل العجز المعرفي إلى يقين لغوي. وبذلك يصبح المراء الظاهر اعترافًا صريحًا بالتعذّر المعرفي، لا ضعفًا في الحجة.
إن أخطر ما يقع فيه الإنسان ليس جهله، بل إنكاره لجهله. والقرآن، عبر هذه الآية، يقطع الطريق على هذا الانزلاق حين يمنع الجدل المتجاوز لحدود المعرفة ويردّ العلم إلى الله وحده ويحرّر الإنسان من وهم الإحاطة الذي طالما أوقعه في الطغيان المعرفي والديني والفلسفي. وهكذا لا تعود الآية متعلّقة بعدد أصحاب الكهف، بل تصبح نصًا مؤسسًا لفهم طبيعة العقل البشري وحدوده الوجودية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الآية الكريمة ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ ليست نهيًا عن الجدل، بل نهيًا عن ادّعاء المعرفة حيث يمتنع العلم. وليست إقرارًا بسطحية العقل، بل ضبطًا لحدوده. وهي إعلان قرآني أن التعذّر المعرفي جزءٌ أصيل من البنية الإنسانية، وأن تجاوز هذا الحد هو أصل الانحراف لا نقص الإيمان.
