تفكك البنية الإمبراطورية: من الجيوش الجرّارة إلى منطق “اضرب ثم اهرب”

يميل العقل الإمبراطوري، في مراحله الأولى، إلى بناء قوته على الامتداد: امتداد الجغرافيا وامتداد الجيوش وامتداد الزمن. غير أن الإمبراطوريات، حين تبلغ طورها المتأخر، تبدأ بالتخلّي التدريجي عن منطق السيطرة الشاملة، لصالح منطق أكثر توتّرًا وأقلّ استقرارًا، قوامه الضربات السريعة المحدودة عالية الأثر منخفضة الكلفة البشرية. في هذا السياق بالذات، يمكن قراءة ما بات يُعرف اصطلاحًا بالنهج الأمريكي الجديد في إدارة القوة العسكرية، والذي اختُزل شعبياً بتعبير: “اضرب ثم اهرب” (Hit & Run).
لا يُمكن فهم هذا النمط بوصفه مجرّد خيار تكتيكي عابر، ولا حتى بوصفه عقيدة عسكرية مكتملة الأركان، بل بوصفه عرضًا بنيويًا لتفكك أعمق يصيب الجسد الإمبراطوري حين يعجز عن تحمّل كلفة الاحتلال، أو إدارة الفوضى التي يولدها تواجدُه المباشر. فالإمبراطورية في طورها المتأخر لا تتخلّى عن العنف، بل تتخلّى عن مسؤوليته.
إن ما شهدته الساحة الدولية في السنوات الأخيرة، وبلغ ذروته مع تسارع قرارات القوة في عهد الرئيس الأمريكي الحالي يكشف انتقالًا واضحًا من نموذج “الجيش بوصفه أداة سيطرة دائمة” إلى نموذج “القوة بوصفها ومضة تدخل خاطفة”، لا تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع، بل إلى إرباكه، أو إعادة ضبطه مؤقتًا، ثم الانسحاب. وهذا التحول لا يعكس ثقة مفرطة بالقوة، بقدر ما يعكس عجزًا عن إدارتها على المدى الطويل.
من منظور ميتابايولوجي، لا يُعد هذا التحول تطورًا نوعيًا في أدوات الحرب، بل استجابة دفاعية متأخرة لبنية إمبراطورية باتت تعاني إنهاكًا نفسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا. فالإمبراطوريات الصاعدة تبني، أما الإمبراطوريات المتأخرة فتضرب، الأولى تؤسّس نظامًا، والثانية تُراكم اضطرابات.
ويبرز هذا التفكك بشكل أكثر وضوحًا حين ننتقل من تحليل السلوك العسكري إلى تحليل المؤسسة العسكرية نفسها. فاعتماد منطق “اضرب ثم اهرب” يفرض إعادة تعريف ضمنية لمعنى “الجيش”: جيش بلا احتلال وبلا تمركز طويل الأمد وبلا التزام بإعادة البناء وبلا حاجة إلى قوات جرّارة أو تعبئة مجتمعية واسعة. وهذا التحول يضع المؤسسة العسكرية الأمريكية ومعها المجمع الصناعي–العسكري أمام مأزق وجودي حقيقي، إذ يهدد نموذجها الاقتصادي ومنظومات التدريب وسوق السلاح وشرعية الإنفاق العسكري الملياري.
إن أخطر ما في هذا التحول ليس فعله المباشر، بل ما يكشفه: الإمبراطورية التي لم تعد قادرة على البقاء، لم تعد راغبة في البناء، ولم تعد مستعدة لتحمّل تبعات أفعالها، هي إمبراطورية دخلت طور التفكك الوظيفي، حتى وإن حافظت ظاهريًا على تفوقها العسكري.
وهكذا، فإن منطق “اضرب ثم اهرب” لا ينبغي قراءته بوصفه ذروة القوة، بل بوصفه أحد أعراض أفولها: عنف بلا مشروع وقوة بلا رؤية وتدخّل بلا أفق.
وتلك، تاريخيًا وميتـابايولوجيًا، ليست سمات الإمبراطوريات الصاعدة، بل علامات الإنهاك النهائي.

أضف تعليق