
يتعاظمُ يوماً بعد آخر عددُ الأدلة على أنَّ عالَمَنا هذا يخضع لإرادةِ وسلطةِ قوةٍ واحدة توهمت أنَّ خسارةَ ألمانيا في الحربِ العالميةِ الثانية قد منحتها شرعيةً أبدية وتفويضاً مطلقاً للتحكُّمِ في العالَم كيفما تشاء. ويخطئ مَن يظن أنَّ هذه القوة تمثِّلها الولايات المتحدة الأمريكية بالمعنى الاعتباري؛ فليست أمريكا هي مَن منحت لنفسِها هذه الحقوق كلَّها جميعاً! فالمتحكم في العالَم اليوم هو مَن يُحكِم قبضتَه على الرئيس الشرعي للولايات المتحدة الأمريكية؛ هذا الرئيس الذي خوَّلته هذه القوة أن يفعلَ ما يشاء شريطةَ أن تأتيَ نتائجُ أفعالِه بما ينفع، ولا يضر، استراتيجياتِها الراهنة منها وبعيدة المدى. وهذه القوة هي ما اصطُلح على تسميتِها بـ “الدولةِ العميقة” Deep State. صحيحٌ أنَّ للرئيس الأمريكي حريةَ اختيار الحلم الذي يريد أن يحقِّقَه مستعيناً بكلِّ ما بوسعِ هذه القوة الخفية الغامضة أن توفِّرَه من إمكانياتٍ وأسباب، إلا أنَّه يتحمل وحده مسؤوليةَ إخفاقِه إن تحول هذا الحلم إلى كابوس يتهدد مصالحَها وبقاءها.
ولذلك، وفي ظلِّ هذا الصمت الدولي المطبِق والمكتفي بالشجب والإدانات والرفض المقنَّع، فإنَّ ما حدث في 3 يناير من هذا العام في فنزويلا، من استباحةٍ لأرضِها وعدوانٍ على شعبِها واختطافٍ لرئيسها، سرعان ما سيجد له تجلياتٍ أخرى، ليس في دول أمريكا اللاتينية فحسب، ولكن في أيِّ دولةٍ لا تملك من أسلحةِ الردع الشامل ما يحول دون تمكُّن الرئيس ترمب من احتلالِها بالقوة الغاشمة، وذلك وفقاً للعقيدةِ القتالية التي فرضَها على وزارة الحرب الأمريكية، والقاضية بأن يتم تحوير مبدأ الحرب الخاطفة Blitz Krieg، وبما يجعله قابلاً للتطبيق، ليس في ساحةِ الحرب، ولكن حيثما تواجد رأس الدولة التي ينوي تسخيرَ مقدَّراتِ شعبِها وأصولِه الاقتصادية لخدمةِ مشروعِه القاضي بجعلِ أمريكا “عظيمةً مرة أخرى” بأي وسيلة كانت حتى وإن اقتضى الأمرُ الاستيلاءَ الغاشم على ثروات ومقدِّرات الآخرين. فغرينلاند توفر لترمب منجماً من المعادن النادرة (سلعة المستقبل)، والمَوئل الاستراتيجي الذي سيتيح له ابتزاز أي دولة تريد أن تستفيد مما يوفره هذا الموئل من خدماتٍ استراتيجية.
إنَّ الإجابةَ على سؤال “متى يحين دور غرينلاند؟” تحددها مآلاتُ “عمليةِ فنزويلا” وما سينجم عنها؛ فإن جرت الأمور سلسةً ميسَّرة، فإنَّ انشغال ترمب بابتلاع ما طاب له من دول أمريكا اللاتينية سوف يؤجِّل قليلاً قيامَه بالتهام الكعكة الغرينلاندية!
