مشروعية اصطلاح “الميتابايولوجيا”

ليست اللغة العلمية في تاريخ المعرفة كيانًا ثابتًا أو مكتملًا، بل هي بنية حيّة تتوسّع كلما واجهت ظواهر جديدة تتجاوز الأطر التفسيرية القائمة. وحين يعجز الجهاز المفاهيمي السائد عن احتواء ظاهرةٍ ما، يصبح نحتُ المصطلح لا ترفًا لغويًا، بل ضرورة معرفية. من هذا المنطلق يندرج اصطلاح “الميتابايولوجيا” بوصفه محاولة مفهومية للإجابة عن مأزقٍ تفسيري عميق: كيف تحوّل الكائن البايولوجي الشبيه بالإنسان إلى إنسانٍ واعٍ بذاته مزدوج الإرادة مختلّ العلاقة مع الطبيعة وقادر على معارضة قوانينها بدل الخضوع لها؟
فغالبًا ما تُوجَّه إلى اصطلاح “الميتابايولوجيا” اعتراضات من منطلقين رئيسيين:

  1. الزعم بالاكتفاء بالبايولوجيا التطورية، وأن أي إضافة مفاهيمية تُعد تكرارًا أو تجاوزًا غير مبرر.
  2. التحفّظ على البادئة “ميتا”، باعتبارها توحي بما هو ميتافيزيقي أو غير علمي.
    غير أن هذين الاعتراضين يقومان، في جوهرهما، على سوء فهم لوظيفة المصطلح لا على نقدٍ لمضمونه. ولكن ماذا تعني البادئة “ميتا”؟ في التراث العلمي والفلسفي، لا تشير “ميتا” بالضرورة إلى “الغيب” أو “اللاعلمي”، بل إلى مستوى تحليلي أعلى ومقاربة نقدية–تركيبية وفحص شروط التفسير ذاته لا الظاهرة فقط
    كما في:
    • ميتافيزياء (بحث في شروط الوجود)
    • ميتا-أخلاق (بحث في أسس القيم)
    • ميتا-علم (بحث في حدود المعرفة العلمية)
    وعليه، فإن الميتابايولوجيا لا تنفي البايولوجيا، بل تدرس حدود قدرتها التفسيرية حين تواجه تحوّلًا نوعيًا لا كميًا.
    فالمقاربة البايولوجية التقليدية تنجح حين يكون التطور تدريجيًا وتراكميًا وقابلًا للقياس الوظيفي. لكنها تتعثر حين تواجه ظواهر مثل: فرط الوعي بالذات والانقسام الداخلي للإرادة والشعور بالذنب والواجب والنزوع لتدمير الذات والطبيعة معًا وإنتاج الرموز والأساطير والأديان والقوانين. فهذه ليست تحسينات حيوانية، بل اختلالات بنيوية تشير إلى انعطافة لا تفسَّر بمنطق “الانتقاء وحده”. من هنا تنشأ الحاجة إلى مستوى تفسير فوق-بايولوجي دون أن يكون لاهوتيًا أو غيبيًا: وهو ما تحاول الميتابايولوجيا الإمساك به.
    وهنا لابد من التشديد على إنه من الخطأ الشائع اعتبار الميتابايولوجيا مشروعًا بديلًا عن العلم. هي ليست: نظرية بيولوجية جديدة أو نموذجًا تجريبيًا منافسًا
    أو إنكارًا للتطور. بل هي إطار تفسيري يدرس اللحظة التي فشل فيها المنطق البايولوجي الصرف في تفسير ما تلاه من بنية إنسانية مضطربة. إنها تشتغل في منطقة العبور بين الحيوان والإنسان وبين الغريزة والواجب وبين التكيّف والتمرد.
    إن تسمية الإنسان بـ Homo sapiens تفترض أن الوعي هو ذروة التكيّف، بينما تكشف التجربة التاريخية والنفسية أن الوعي كان أيضًا مصدر الشقاء والاختلال. فالميتابايولوجيا لا تمجّد الوعي، بل تطرحه كسؤال:
    • لماذا تحوّل الوعي إلى عبء؟
    • لماذا صار الإنسان الكائن الوحيد الذي يعارض ذاته؟
    • لماذا لم يؤدِّ التفوق الإدراكي إلى التوازن؟
    هذه الأسئلة لا تنتمي إلى البايولوجيا الوصفية، لكنها أيضًا لا تنتمي إلى التأمل المجرد. إنها أسئلة منطقة بينية، وهنا تتأسس مشروعية مصطلح “الميتابايولوجيا”.
    إن كل اصطلاح جديد يمر تاريخيًا بثلاث مراحل:
  3. الاستغراب
  4. الاعتراض
  5. التثبيت أو الاندثار
    ومعيار بقائه ليس غرابته، بل قدرته على إنتاج فهمٍ أعمق.
    فإذا كانت الميتابايولوجيا: تكشف اختلالًا لم يُفسَّر سابقًا وتربط بين البيولوجيا والأنثروبولوجيا والوعي وتُنتج لغة أدق لفهم مأزق الإنسان. فإن مشروعيتها لا تُقاس بقبولها الفوري، بل بحاجتنا الفعلية إليها.
    يتبين لنا إذاً، وبتدبر كل ما تقدم، أن مصطلح «الميتابايولوجيا» لم يُنحت بدافع الرغبة في التميّز، بل لأن الإنسان كما نعرفه لا يشبه أي كائن سبقه، ولا يمكن فهمه بالأدوات ذاتها. وحين تتغيّر طبيعة الظاهرة، يصبح تغيير اللغة فعل “أمانة معرفية” وليس خروجًا على العلم. فالميتابايولوجيا، بهذا المعنى، ليست إضافة لفظية، بل اسمٌ اضطرّنا الواقعُ نفسه إلى نحته.

أضف تعليق